فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 41

الْقَوْمَ خَرَجُوا، فَرَجَعَ حتى إذا وَضَعَ رِجْلَهُ في أُسْكُفَّةِ الْبَابِ دَاخِلَةً وَأُخْرَى خَارِجَةً، أَرْخَى السِّتْرَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَأُنْزِلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ )) (102) .

ففي هذه الآيات ينادي الله تعالى المؤمنين الذين صدَّقوا الله ورسوله بأن لا تدخلوا بيوت النبي في حال من الأحوال إلا بإذنه لتناول طعام غير منتظرين نضجه، ولكن إذا دعاكم رسول الله فادخلوا البيت الذي أذن لكم بدخوله، فإذا أكلتم فانصرفوا من منزله غير مستأنسين بالحديث بينكم؛ فإن انتظاركم واستئناسكم يؤذي النبي، فيستحيي من إخراجكم من البيوت مع أن ذلك حق له، والله لا يستحيي من بيان الحق وإظهاره فعلم بذلك أن دخول بيته حرام، وإنما جاز لأجل الأكل فإذا انقضى الأكل زال السبب وعاد التحريم إلى أصله (103) .

وإذا سألتم نساء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاجة من أواني البيت ونحوها فاسألوهن من وراء ستر؛ ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن من الخواطر التي تعرض للرجال في أمر النساء، وللنساء في أمر الرجال؛ فالرؤية سبب الفتنة، وتركها نفي للريبة والتهمة، وما ينبغي لكم أن تؤذوا رسول الله، ولا أن تتزوجوا أزواجه من بعد موته أبدًا؛ لأنهن أمهاتكم، ولا يحلُّ للرجل أن يتزوج أمَّه، إنَّ أذاكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونكاحكم أزواجه من بعده إثم عظيم عند الله ومن أكبر الكبائر، وقد امتثلت هذه الأمة هذا الأمر، واجتنبت ما نهى الله عنه (104) ، ولهذا أجمع العلماء قاطبة على أن من توفي عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أزواجه أنه يحرم على غيره تزوجها من بعده لأنهن أزواجه في الدنيا والآخرة ولأنهن أمهات المؤمنين (105) .

إن تُظْهِروا شيئًا على ألسنتكم -أيها الناس- مما يؤذي رسول الله مما نهاكم الله عنه أو من مراقبة النساء، أو تخفوه في أنفسكم، فإن الله تعالى بكل شيء عليم لا يخفى عليه شيء وهو يجازيكم على جميع ذلك، قال البيضاوي: وفي هذا التعميم مع البرهان على المقصود مزيد تهويل ومبالغة في الوعيد (106) . وإن قوله تعالى في ختام هذه الأحكام: {فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [الأحزاب: 54] ، يفيد إحاطة علم الله تعالى بكل شيء، وفيه توبيخ ووعيد لمن أضمر إيذاء النبي في زوجاته كما أشار إليه قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ} [الأحزاب:53] (107) .

ولما نزلت آيات الحجاب تساءل بعض أقارب أمهات المؤمنين أنحن نكلمهن من وراء حجاب؟ فرد الله سبحانه عليهم: لا إثم ولا حرج على نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمهات المؤمنين في عدم الاحتجاب من آبائهن وأبنائهن وإخوانهن وأبناء إخوانهن وأبناء أخواتهن، والنساء المؤمنات -على رأي ابن عباس ومجاهد- والعبيد المملوكين لهن؛ لشدة الحاجة إليهم في الخدمة. وخفن الله -أيتها النساء- أن تتعدَّيْن ما حَدَّ الله لكنَّ، فتبدين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت