فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 41

وإن الله تعالى ذكر في هذه الآيات الكريمة أسماء حسنى له مثل الغفور والرحيم والعليم والحليم وكونه على كل شيء رقيب، كل ذلك ليزداد الإنسان حبا لله تعالى وتعلقا به، ويعرف صفات خالقه وأسماءه الحسنى، وإن المؤمن يحذر من اطلاع الله تعالى على ما في قلبه من نوايا غير صالحة، لأن الله تعالى عليم بذات الصدور مطلع عليها، وهو رقيب على كل شيء، وهذا مدعاة كي يراقب العبد ربه في كل أحواله.

المبحث الرابع: آداب دخول بيت النبي وأمر أمهات المؤمنين بالحجاب

قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (53) إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (54) لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (55) } [الأحزاب: 53 - 55] .

بعد أن انتهى الكلام عن خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم - المتعلقة بالزيجات، بدأ الكلام عن خصوصية دخول بيته المبارك، ومخاطبة نسائه من وراء حجاب، وختمت الآيات بحرمة إيذاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - مطلقا وخصوصا فيما يتعلق بحرمة تزوج نسائه من بعد موته حرمة له وتعظيما. وكما أكدت الآيات السابقة مراقبة الله تعالى، عادت هذه الآيات لتؤكد المراقبة الذاتية لله تعالى بقوله تعالى: {إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (54) } ، وقوله تعالى: {وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا} ، ويلاحظ في هذه الآيات والتي سبقت التركيز على القلوب واطلاع الله تعالى عليها كي يطهرها المرء من الأدناس الحسية والمعنوية، ولهذا أمر الله تعالى المؤمنين بمخاطبة النساء من وراء حجاب حفاظا على طهارة القلب، ثم حذرهم من اطلاعه على ما في قلوبهم، وعلى كل أعمالهم، وأنه شهيد عليهم، كل ذلك ليرقى الإنسان إلى مرتبة الإحسان فيعبد الله كأنه يراه.

وقد جاء في سبب نزول هذه الآيات عن أَنَسٍ رضي الله عنه قال: (( بُنِيَ على النبي - صلى الله عليه وسلم - بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ بِخُبْزٍ وَلَحْمٍ، فَأُرْسِلْتُ على الطَّعَامِ دَاعِيًا، فَيَجِيءُ قَوْمٌ فَيَأْكُلُونَ وَيَخْرُجُونَ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ فَيَأْكُلُونَ وَيَخْرُجُونَ، فَدَعَوْتُ حتى ما أَجِدُ أَحَدًا أَدْعُو، فقلت: يا نَبِيَّ اللَّهِ ما أَجِدُ أَحَدًا أَدْعُوهُ، قال: ارْفَعُوا طَعَامَكُمْ، وَبَقِيَ ثَلاَثَةُ رَهْطٍ يَتَحَدَّثُونَ في الْبَيْتِ، فَخَرَجَ النبي - صلى الله عليه وسلم - فَانْطَلَقَ إلى نِسَائِهِ يسلم عليهن، ثُمَّ رَجَعَ النبي - صلى الله عليه وسلم - فإذا ثَلاَثَة رَهْطٍ في الْبَيْتِ يَتَحَدَّثُونَ، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - شَدِيدَ الْحَيَاءِ، فَخَرَجَ مُنْطَلِقًا نحو حُجْرَةِ عَائِشَةَ فأُخْبِرَ أَنَّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت