فقصره الله على هؤلاء فلم يعدهن، وقصر سائر أمته على مثنى وثلاث ورباع (94) .
ومن خصوصيات النبي أن الله خاطبه بأنه سمح له بأن يؤخر مَن يشاء مِن نسائه في القَسْم في المبيت، ويضم إليه مَن يشاء منهن، ومَن طَلَبَ ممن أخَّر قَسْمها، فلا إثم عليه في هذا، ذلك التخيير أقرب إلى أن يفرحن ولا يحزنَّ، ويرضين كلهن بما قسم النبي - صلى الله عليه وسلم - لهنَّ، والله يعلم ما في قلوب الرجال مِن مَيْلها إلى بعض النساء دون بعض. وكان الله عليمًا بما في القلوب، حليمًا لا يعجل بالعقوبة على من عصاه. وعن قتادة قوله: {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ} [الأحزاب: 51] قال: فجعله الله في حل من ذلك أن يدع من يشاء منهن ويأتي من يشاء منهن بغير قسم وكان نبي الله يقسم، ... ويعدل بينهن حتى لقي الله (95) ، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستأذن إذا كان في يوم المرأة منا بعد ما نزل: {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ} ، قالت معاذة: فقلت لعائشة: ما كنت تقولين لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قالت: كنت أقول: إن كان ذاك إلي لم أوثر أحدا على نفسي (96) .
ثم خاطب الله تعالى نبيه بأنه لا يباح له النساء من بعد نسائه اللاتي في عصمته، واللاتي أباحهنَّ له، ومن كانت في عصمته من النساء المذكورات لا يحل له أن يطلِّقها مستقبَلا ويأتي بغيرها بدلا منها، ولو أعجبه حسنها، وأما الزيادة على زوجاته من غير تطليق إحداهن فلم يكن هناك حرج عليه في ذلك، وأما ما ملكت يمينه من الإماء فحلال له منهن من شاء. وكان الله على كل شيء رقيبًا، لا يغيب عنه علم شيء (97) .
وهذه الآية دليل على منع تبديل زوجات النبي اللاتي اخترنه وهن التسع اللواتي سبق ذكرهن (98) ، فعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ} قال: حبسه الله عليهن كما حبسهن عليه (99) ، فلما حرم الله عليهن أن يتزوجن من بعده، حرم عليه أن يتزوج غيرهن (100) .
نتبين من الآيات السابقة أن الله تعالى خص النبي - صلى الله عليه وسلم - بخصائص فأحل له أشياء لم يحلها لأحد غيره، وحرم عليه أشياء لم يحرمها على أحد غيره، وإن كل من يعدد الزوجات فالنبي - صلى الله عليه وسلم - قدوته في العدالة، فقد كان - صلى الله عليه وسلم - حريصا على ذلك حتى إنه كان إذا سافر يجري القرعة بين زوجاته، وفي مرض موته استأذن من زوجاته أن يمرض في بيت عائشة رضي الله تعالى عنها، فالعدالة المادية ممكنة ولكن الحب فوق الطاقة البشرية فعن عائشة رضي الله عنها قالت: (( كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقسم فيعدل فيقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك ) ) (101) .
وإن النبي إنما عدد زوجاته بأمر من الله تعالى، ولهذا كان وراء كل زواج حكم كثيرة مثل الحكم التي ذكرناها عن زواجه بزينب رضي الله عنها.