لما بين الله تعالى في بدء السورة أن النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وكان من أهم مقاصد السورة بيان ما شرف الله تعالى به نبيه وبيان مناقبه وما خصه الله به مما قد يطعن فيه المنافقون من كونه أولى من كل أحد بنفسه وما له، ناداه بوصف النبوة لأنه مدار الإكرام من الخالق والمحبة من الخلائق تشريفا له به، ثم بين سبحانه وتعالى أنه أحل للنبي - صلى الله عليه وسلم - أصنافا محددة من النساء دون غيره من المؤمنين نظرا إلى أهمية الدور الذي يقوم به في الدعوة إلى الله تعالى مما اقتضى تشريعات خاصة به (91) .
قال ابن عاشور: (( إنه لما خاض المنافقون في تزوّج النبي - صلى الله عليه وسلم - زينب بنتَ جحش وقالوا: تزوج من كانت حليلة متبنّاه، أراد الله أن يجمع في هذه الآية مَنْ يحل للنبي تزوجهن حتى لا يقع الناس في تردد ولا يفتنهم المرجفون. ولعل ما حدث من استنكار بعض النساء أن تهدي المرأة نفسها لرجل كان من مناسبات اشتمالها على قوله: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ ... } الآية [الأحزاب: 50] ، ولذلك جمعت الآية تقرير ما هو مشروع وتشريع ما لم يكن مشروعًا لتكون جامعة للأحوال، وذلك أوعب وأقطع للتردد والاحتمال ) ) (92) .
وتنبه الآيات الكريمة السابقة إلى أن الله تعالى أحل لنبيه أربعة أصناف من النساء فتقول:
أ - يا أيها النبي إنَّا أبَحْنا لك أزواجك اللاتي أعطيتهن مهورهن.
ب - وأبَحْنا لك اللاتي مَلَكَتْ يمينك من إمائك اللواتي سبيتهن فملكتهن بالسبي وصرن لك بفتح الله عليك من الفيء فهن مما أنعم الله به عليك.
ج - وأبحنا لك الزواج من بنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك دون من لم يهاجر منهن معك.
د - أبحنا لك امرأة مؤمنة مَنَحَتْ نفسها لك من غير مهر، إن كنت تريد الزواج منها خالصة لك، وليس لغيرك من المؤمنين أن يتزوج امرأة بالهِبَة، ولم يكن تحت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - امرأة وهبت نفسها بالرغم من عرض ما يقرب من ثلاث نسوة أنفسهن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهن أم شريك (93) .
ثم يبين الله خصوصية النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحكم بأن الله تعالى قد علم ما أوجب على المؤمنين في أزواجهم وإمائهم بألا يتزوجوا إلا أربع نسوة، وما شاؤوا من الإماء، واشتراط الوليِّ والمهر والشهود عليهم، ولكن الله رخص للنبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، ووسَّعَ عليه ما لم يُوسِّعْ على غيره؛ لئلا يضيق صدره ولا يكون عليه إثم في نكاح مَن نكح مِن هؤلاء الأصناف. وكان الله غفورًا له ولذنوب عباده المؤمنين، رحيمًا بالتوسعة عليه وعليهم. وقد كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل أن تنزل عليه هذه الآية أن يتزوج أي النساء شاء،