تنفرا، ويسرا ولا تعسرا فإنه قد أنزل علي الليلة آية: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) } ، قال: شاهدا على أمتك، ومبشرا بالجنة، ونذيرا من النار، وداعيا إلى شهادة أن لا إله إلا الله (31) .
1 -5 - 3 النبي النذير: إن النبي نذير من عذابي الدنيا والآخرة، وهو نذير من النار أن يدخلها الناس فيعذبوا بها إن هم كذبوه وخالفوا ما جاءهم به من عند الله، ولم يرد في هذه الآية لفظ النذير على مجرى كلمة مبشر فلم يقل: مبشرا ومنذرا بل قال: (نَذِيرًا) على صيغة فعيل التي للمبالغة وذلك (( لعموم الإنذار وخصوص التبشير ... وقدم التبشير لشرف المبشرين، ولأنه المقصود الأصلي إذ هو - صلى الله عليه وسلم - رحمة للعالمين، وكأنه لهذا جبر ما فاته من المبالغة بقوله تعالى: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الأحزاب: 47] ) ) (32) ، ويحتمل أن تكون (نَذِيرًا) صفة مشبهة للدلالة على ديمومة صفة الإنذار في الرسول.
1 -5 - 4 النبي الداعية: فقد دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى توحيد الله وعبادته وحده بأمر الله له بذلك، قال ابن عباس في معنى (دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ) هو: (( شهادة أن لا إله إلا الله ) ) (33) .
فهو - صلى الله عليه وسلم - قد دعا للإسلام الذي أهم أركانه شهادة التوحيد ففتح بها أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا (34) ، وقد دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الله بإذنه وتوفيقه لأنها أمر عظيم لا تتيسر إلا لمن وفقه الله لذلك، وقد دعا النبي الأمة للالتزام بالتوحيد والاستقامة على منهج الله فقال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6) } [فصلت: 6] .
1 -5 - 5 النبي سراج منير: ما أجمل تشبيه الآية للنبي بالسراج المنير لأنه يستضيء به الضالون في ظلمات الجهل والغواية، ويقتبس من نوره أنوار المهتدين إلى مناهج الرشد والهداية، فالله نور السموات والأرض أنزل الكتاب الذي سماه نورا على نبيه الذي سماه سراجا منيرا فكانت الأنوار تتلألأ في الوحي من كل جهة، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلا السراج المنير فعن أبي هُرَيْرَةَ قال: (( ما رأيتُ شَيْئًا أَحْسَنَ من رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، كان كَأَنَّ الشَّمْسَ تجري في جبهته ) ) (35) .
1 -6 النبي الحيي: في وصفِ الله تعالى للنبي - صلى الله عليه وسلم - بالحياء في قوله: {إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ} [الأحزاب: 53] دلالةٌ على أن النبي كان حييا، والحياء شعبة من الإيمان (36) ، وقد ورد في الحديث الشريف: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان أشد حياء من العذراء في خدرها (37) ، فحفاظا على مقام النبوة نبه القرآن على شدة صفة الحياء عند النبي، وقد ناب الله عنه في تبليغ الصحابة بأن لا يطيلوا المكوث في بيته وذلك لشدة حيائه، وفي الوقت ذاته علم القرآن الرسول بأن لا يستحيي من إخراج أصحابه المسترسلين في الحديث في بيته لأن ذلك حق له، والله تعالى لا يستحيي من بيان الحق وإظهاره.