يقول الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21) وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (22) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (24) } [الأحزاب: 21 - 24] .
تبين هذه الآيات مكانة النبي من أمته فهو جدير بأن يُتأسى به في كل الأمور، فهو القدوة الحقيقية لكل المؤمنين وهو الإنسان الكامل حقا. وكذلك ربى النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه على الصدق والوفاء بالعهود والإيمان الكامل والاعتماد على الله حق الاعتماد ليكونوا نموذجا عمليا لنا، وبسبب تطبيقهم هذه الصفات استحقوا هذا المدح من الله تعالى.
إن هذه الآيات هي عتاب من الله للمتخلفين عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعسكره بالمدينة من المؤمنين به ومن غير المؤمنين، فالمؤمن عليه أن يكون مع رسول الله حيثما كان ولا يتخلف عنه، لأن النبي قدوة له فقد بذل نفسه لنصرة دين الله في خروجه إلى الخندق (61) ، وأما المنافق فتقوم عليه الحجة.
ومقابل الصورة القاتمة للمتخلفين عن القتال وللمثبطين عنه من المنافقين كان هناك صورة رائعة يرسمها الرسول الأسوة الحسنة وأصحابه الكرام، صورة (( مطمئنة وسط الزلازل، واثقة بالله، راضية بقضاء الله، مستيقنة من نصر الله، بعد كل ما كان من خوف وبلبلة واضطراب ) ) (62) ، وكذلك رسم أصحاب رسول الله الذين اقتدوا به صورة الواثق بنصر الله الموفي بعهد الله تعالى، فكانوا بذلك قدوة لمن يأتي بعدهم من المؤمنين على مر العصور ونموذجا في تاريخ البشرية لم يعرف له نظير (63) .
فقول الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] ، هو أصل عظيم في وجوب الاقتداء برسول الله في كل الأمور واتباع سنته السنية، ومن لم يقتد به فقد ضل ضلالا بعيدا. فالنبي - صلى الله عليه وسلم - هو القدوة الحسنة لكل المسلمين في أقواله وأفعاله وأحواله، ففي غزوة الخندق بذل نفسه لنصرة دين الله فشارك في حفر الخندق، وجاع مثلما جاع المسلمون، فعن أنس بن مالك عن أبي طلحة قال: (( شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجوع ورفعنا عن بطوننا عن حجرٍ حجرٍ(64) فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن حجرين )) (65) ، وقال - صلى الله عليه وسلم - لما شج وجهه وكسرت رباعيته: (( اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) ) (66) ، فقد ضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - المثل للمسلمين في صبره ومصابرته ومرابطته ومجاهدته وانتظاره الفرج من ربه عز وجل فيقتدى به في جميع أفعاله ويتعزى به في جميع أحواله، ولقد قتل عمه حمزة وجاع بطنه ولم يُلفَ إلا صابرا محتسبا وشاكرا راضيا (67) ، ولهذا قال