بِالَّذِي قلتُ، قال: (( لا تَسْأَلُنِي امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ إلا أَخْبَرْتُهَا، إِنَّ اللَّهَ لم يَبْعَثْنِي مُعَنِّتًا ولا مُتَعَنِّتًا وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا ) ) (78) ، والقصة بطولها مذكورة في كتب الحديث (79) والتفسير (80) .
ففي هذه الآيات يأمر الله تبارك وتعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - بأن يخير نساءه اللاتي اجتمعن عليه يطلبن منه زيادة النفقة بين أن يفارقهن دون ضرر أو إيذاء، وبين الصبر على ما عنده من ضيق الحال ولهن عند الله تعالى في ذلك الثواب الجزيل، فاخترن -رضي الله عنهن وأرضاهن- الله ورسوله وما أعدَّ الله لهن في الدار الآخرة، فجمع الله تعالى لهن بعد ذلك بين خير الدنيا وسعادة الآخرة (81) .
وفيما خيرهن فيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - قولان: أحدهما: أنه خيرهن بين الطلاق والمقام معه، هذا قول عائشة رضي الله تعالى عنها، والثاني: أنه خيرهن بين اختيار الدنيا فيفارقهن أو اختيار الآخرة فيمسكهن ولم يخيرهن في الطلاق، قاله الحسن وقتادة. والقول الأصح في كيفية تخيير النبي - صلى الله عليه وسلم - أزواجه أنه خيرهن بإذن الله تعالى في البقاء على الزوجية، أو الطلاق، فاخترن البقاء، لقول عائشة رضي الله عنها لما سئلت عن الرجل يخير امرأته، فقالت: قد خيرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاخترناه، فلم يعده طلاقا، ولم يثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا التخيير المأمور بين البقاء والطلاق (82) .
وفي هذه الآيات فوائد متعلقة بنسائه منها:
أ - حث واضح على منع إيذاء النبي - صلى الله عليه وسلم - أو مضايقته، ولو من أقرب الناس إليه وهن زوجاته، وفيها أدب عال خاص ببيت النبوة ونسائه الطاهرات، وفيها ترفع عن حطام الدنيا، وتربية لنساء النبي - صلى الله عليه وسلم - على الزهد والعفة والخلق السامي، وإعظام الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -.
ب - بيان حب النبي - صلى الله عليه وسلم - لزوجه عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنها حيث بدأ بتخييرها، وفيه بيان فضلها وفضل أمهات المؤمنين على غيرهن من نساء العالمين حيث إنهن اخترن رضا الله تعالى ورضا رسوله - صلى الله عليه وسلم - على متاع الدنيا الزائل.
ج - أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يرفع أزواجه إلى المستوى العالي المتجرد عن حظوظ الدنيا كي يكن قدوة لنساء العالمين، وفي ذلك دلالة واضحة على أن دعوة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يكن هدفها سوى رضا الله عز وجل وأنه كان أزهد الزاهدين في الدنيا التي فتحت له أبوابها وغنائمها فأعرض عنها إلى الطاعة الخالصة لله عز وجل، بالتجرد عن حظوظ الدنيا، وجعل الآخرة هي المقصد الأساسي.