فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 41

وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (69) [الأحزاب: 57 - 69] .

إذا بان شرف رسول الله ومكانته عند الله تعالى وعند الملأ الأعلى، وفضل المصلي والمسلم عليه، فعندئذ يعرف عظم ذنب من يذمه أو يؤذيه باستحقاقه اللعنة التي هي أشد المحذورات؛ لأن البعد من الله لا يرجى معه خير (123) ، ولهذا قال الله تعالى محذرا ومنبها: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ} بالشرك أو غيره من المعاصي، ويؤذون رسول الله بالأقوال أو الأفعال، أبعدهم الله وطردهم مِن كل خير في الدنيا والآخرة، وأعدَّ لهم في الآخرة عذابًا يذلهم ويهينهم فيه بالخلود فيه، فإيذاء النبي - صلى الله عليه وسلم - من أكبر الكبائر التي تستوجب الطرد من رحمة الله تعالى، ولم يتعرض أحد في التاريخ للأذى كرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وما نراه اليوم من التطاول على مقام النبي - صلى الله عليه وسلم - ومكانته سواء بالرسوم الساخرة التي رسمها بعض المغرضين في الدنمارك أم بغيرها من الأساليب، فإنه دليل على ما نقوله، وبذلك نعلم حكمة إظهار مقامه الحقيقي عند الله تعالى، وإثم من اعتدى عليه، وبشاعة عمله، ويصور هذا التعبير {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} (( الحساسية بإيذاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - وكأنما هو إيذاء لذات الله جل وعلا، فما أبشع وما أشنع ) ) (124) هذا العمل.

ولما ذكر الله تعالى المنافقين والكفار الذين آذوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين بأنواع عديدة من الأذى وتوعدهم بأصناف من العذاب منها تسليط النبي عليهم بالقتل أو النفي من المدينة المنورة، لما ذكر الله تعالى ذلك؛ حذر المؤمنين من التعرض لإيذاء النبي - صلى الله عليه وسلم -، ونهاهم عن التشبه ببني إسرائيل في أذيتهم سيدنا موسى عليه السلام حتى لا ينالهم ما نال المنافقين والكفار من العذاب.

ويقول النسفي: (( وهذه الآية مقررة للتى قبلها: بنيت تلك على النهي عما يؤذي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهذه على الأمر باتقاء الله في حفظ اللسان ليترادف عليهم النهي والأمر مع إتباع النهي ما يتضمن الوعيد من قصة موسى عليه السلام، وإتباع الأمر الوعد البليغ فيقوى الصارف عن الأذى والداعي إلى تركه ) ) (125) .

فابتدأ الله تعالى بنداء المؤمنين تنبيهًا على أهمية وخطورة ما سيأتي بعد النداء فقال: يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه لا تؤذوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقول أو فعل، ونداء المؤمنين فيه تعريض بمن لا يؤمن بالرسول من المنافقين لأنه يصدر منه إيذاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - قولا وفعلا مثل الأذى الذي عمله المنافقون حول زواج النبي - صلى الله عليه وسلم - بزينب، أو الأذى الذي تعرض له النبي أثناء قسمة الغنائم وغيرها، ونهى الله تعالى المؤمنين عن أن يكونوا أمثال بني إسرائيل الذين آذوا نبيَّ الله موسى باتهامه بأنواع من الأذى (126) ، فبرَّأه الله مما قالوا فيه من الكذب والزور، وكان عند الله عظيم القدر والجاه. فنفر الله المؤمنين أن يكونوا كهؤلاء المنحرفين الملتوين الذين يضربهم القرآن مثلا صارخا للالتواء (127) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت