التذكير، ألا ترى أن الشيء يقع على كلّ ما أخبر عنه قبل أن يعلم أذكرّ هو أو أنثى؟ والشيء ذكر [1] .
وإذا كان الله تبارك وتعالى قد خلق من كل شيء زوجين: من الأناسّي، والأنعام، والبنات، حتى الجمار- إذا تأملناه - ومصادر الطاقة والحركة والحياة، فإن من دقّة هذه اللغة، وروعة الإحساس بالوجود فيها، وتكاملها مع عناصر الكون، ونبصر الحركة، ودفق الحياة أ تحتفل احتفالًا بالغًا بقضية التذكير والتأنيث، وتعطي هذا الجانب دقة لا نجدها في غيرها من اللغات، وتتمتع برهافة لا تتأتي إلا من عايش هذه اللغة، ولامست منه حبّة القلب وشغافه 0
قصّ أحمد أمين عن امرأة إنجليزية كانت تتعلم عليه العربية، اعتراضها على تأنيث الشمس وهي قوية، وتذكير القمر، وهو لطيف وديع، وكان الأولى- في رأيها - أن تذكر العربية الشمس، وتؤنث القمر، كما يفعل الإنجليز [2] وفاتها أن تأنيث الشمس ليس جنسًا حقيقيًا، بل هو جنس نحوي، وهذا التأنيث في الشمس دون تأنيث في فاطمة وغزالة 0 ولهذا قال النحاة إنها مؤنث مجازي، فيقال: طلع الشمس، وطلعت الشمس، وما بقي من التأنيث في الشمس فلأنها مصدر الحركة والحياة والتكاثر والنماء على الأرض- كما المرأة في الحياة الإنسانية - ولا تتأتى الحياة من دونها، كما لا تتأتى من دون المرأة، وليس للقمر هذه المزية 0 ورحم الله أبا الطيب حين قال:
وما التأنيث لاسم الشَّمْسِ عيبٌ ولا التذكيرُ فخرٌ للهلال
حتى عدّ ذلك من معانيه التي تفرد بها [3] 0
وفي ضوء هذا المنهج من الدقة والتفصيل، قسم الاسم في العربية إلى مذكّر ومؤنّث، سواء كان مفردًا أو مثنى أو جمعًا، وتأثر بذلك أيضًا الفعل،
(1) المصدر السابق 1/ 22.
(2) أحمد أمين، حياتي ص 185، دار الكتاب العربي، بيروت 2/ 1971.
(3) ديوان المتنبي بشرح الكعبري 3/ 18 تحقيق السقا وأخرين، دار المعرفة بيروت 1397.