مسافرا إليهم ليطرق بابهم في الثالثة بعد منتصف الليل، يشق الغبار ووعورة الطريق، يمنع نفسه النوم .. يركز في أفكاره الخاصة بالعمل تارة وتارة أخرى في كيف يخفف عن أهله وابنه آلامهم .. فوصل مفاجأ الكلّ، وكانت سعادة لا توصف بالكمّ، فاحتضن ابنه، وناوله الدواء .. وقضى معهم ساعتين لا ثالث لهما، وحين دقت الخامسة صباحا .. صلّى صلاة الفجر وانطلق إلى ثغره وهو يوصي زوجته بالصبر والاحتساب، وقد شحذ همتها بحب وحنان وصدق اهتمام، فاشتد عزمها وزادت صلابتها، وأقبلت بهمة ترعى ابنها حتى أقر الله عينها بأن سلّمه من مرض كاد يفتك به .. ورجع هو لثغره وقد شعر ببركة فعله.
وإن كان هذا جانب مشرق من علاقة أب مع أسرته المرابطة، فهناك أمثلة مؤسفة لبعض الآباء، من كلّف نفسه فوق ما يطيق ثم أهمل واجباته وتعذر بالجهاد، فتجده أبا لعدد كبير من الأطفال ومسؤولا عن عدد من الأسر لتعدد الزوجات ولكنه لا ينظم نفسه ولا يحاسبها ليقدم لهم الحد الأدنى من حاجاتهم النفسية لا أقول المادية، وإن إهمال هذا الأمر ليؤثر بشكل مباشر في مراحل بناء شخصيات أولئك الأشبال المقبلين على ثغور أبائهم يوما ما في الجهاد .. وإن التناصح في الله والتذكير بالواجب المناط براعي الأسرة لهو من الأمور المطلوبة لكل واعظ ومحرض في سبيل الله فيلقى الأب المجاهد ربه وقد أبلى البلاء الحسن في كل ما يخصه ..