أما حكم الشرع فيما يتعلق بدخول المسلم التاجر دار الحرب للتجارة فيها، فيختلف فيه حسب اختلاف الحالات، كالتالي:
الحالة الأولى: إن كان دخول التاجر المسلم دار الحرب يقتضي الخضوع لأحكام الشرك، فحكمه حرام [1] ، كما صرح بذلك الإمام مالك-رحمه الله تعالى-قائلًا: (لا يخرج-أي مسلم-إلى بلادهم حيث تجري أحكام الشرك عليه) [2] .
وقال سحنون [3] المالكي-رحمه الله تعالى-: ( ... وينبغي للإمام أن يمنع الناس من الدخول إليها، ويجعل على الطريق من يصدهم) [4] .
وقال الإمام ابن حزم الظاهري-رحمه الله تعالى-: (وإن كان التجار المسلمون إذا دخلوا أرض الحرب أُذلوا بها وجرت عليهم أحكام الكفار، فالتجارة إلى أرض الحرب حرام، ويمنعون من ذلك) [5] ، وذلك لقوله تعالى: (فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ) [6] .
لأَن الإسلام يفرض على المسلمين أن يهجروا مثل هذه الدار، فلا يجوز لأحد أن يسافر إليها إلا لأمر مشروع [7] -والله أعلم.
الحالة الثانية: إن كان دخوله لا يقتضي الخضوع لأحكام الشرك، ولم ينو ذلك إلا للتجارة فقط، فإنه مكروه [8] ؛ لأنه قد يتعرض بذلك للتأثير بالبيئة الفاسدة في دار الحرب، وقد يتعرض لأنواع من الأذى والاحتجاز للمساومة، والعياذ بالله من ذلك.
(1) -انظر: (حاشية: الروض المربع) (2/ 20) للعنقري، و (كشاف القناع) (3/ 131) .
(2) -انظر: (المدونة الكبرى) (4/ 270) .
(3) -هو: عبد السلام بن سعيد بن حبيب التنوخي، الملقب بسحنون، قاض من فقهاء المالكية، وروى (المدونة) في فروع المالكية عن ابن القاسم عن الإمام مالك، مات بالقيروان سنة:240 هـ كما في: (الأعلام) (4/ 5) .
(4) -انظر: (القوانين الفقهية) (ص:192) ، أو: (ص:449 - وزارة والشؤون الإسلامية لدولة الكويت) .
(5) -انظر: (المحلى) (9/ 95) .
(6) -سورة محمد رقم الآية: (35) .
(7) -كحامل الرسالة، ومفاداة الأسير المسلم وهكذا.
(8) -انظر: (المحلى) (9/ 95) .