فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 216

أصدرت جريدة: (البرهان) خطية لانتقاد سياسة الاستعمار الإسباني في التعليم واضطهاد الطلبة، والتضييق عليهم، ولم يصدر منها إلا عدد أول، فكتب مدير المعهد رسائل إلى رئيس الاستعلامات الإسباني (بِلْدا) يُخبره فيها باستفحال نشاط الطلبة السياسي وصدور الجريدة وما يكتُب فيها فلان-يعنيني-وهو غير طالب بالمعهد ومتهم بالوطنية! من مقالات تمس سياسية إسبانيا، الخ.

فاستدعِيتُ ونالني من السب والشتم والتهديد والأذية ما قرت به عين سيادة المدير للمعهد الديني الإسلامي! وأذنابه، ولما أيِسَ هذا المدير: (الأمين التمسماني) من انتقام الإدارة الإسبانية منا كتب إلى الباشا: (اليزيد بن صالح الغُماري) بمثل ما كتب به إلى: (بِلْدَا) فسألني الباشا عن التهمة فأجبته بأن رئيس الاستخبارات الإسباني سبقه إلى التحقيق في هذه القضية ولم يجد شيئًا، فغضب الباشا واحتدّ، وأمر بنا إلى السجن لولا تدخلُّ بعض الناس.

ومن عجيب صنع الله أن هذا الباشا اضطُرّ إلى الوقوف بباب مكتبي بالمحكمة بعد عزله في أول عهد الاستقلال فلم أعامله بالمثل [1] ، ثم تنبهت إلى أن مكتبه الذي هددني وهو خلفه هو المكتب الذي خاطبته من ورائه بعد أن احتاج إليّ، ولله في خلقه شؤون ثم انقطعت عن كل نشاط من هذا القبيل وأكببتُ على التدريس والكتابة، ونشرت مقالات

(1) -لقد ذكَّرتني هذه القصة المعبرة بما ذكره المحدث أحمد شاكر في رسالته القيمة التي أسماها: (كلمة الحق) (ص:173) حيث قال: (تخرّج طه حسين في الجامعة المصرية القديمة، وكان أعمى-البصر والبصيرة-وتقرر إرساله في بعثة إلى أوربا فاستقبله السلطان حسين استقبالًا كريمًا وحباه هدية كريمة المغزى والمعنى وبعد هذا الموقف خطب محمد المهدي خطبة الجمعة وكان حينذاك خطيب السلطان ويحضر خطبته العلماء والوزراء والكبراء، فمدح الخطيب السلطان مدحًا غالى فيه إلى أن قال عن السلطان:(وقد جاءه الأعمى فما عبس وما تولى) .

معرضًا بالنبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-وكان من شهود هذه الخطبة الشيخ القاضي محمد شاكر-رحمه الله تعالى-فقام بعد الصلاة وقال للناس: أيها الناس أعيدوا صلاتكم فإن إمامكم قد كفر، ثم استدار وأقام الصلاة من جديد فصلى وصلى خلفه كل من في المسجد.

قال الشيخ أحمد شاكر-رحمه الله تعالى-: (أقسم بالله لقد رأيت محمد المهدي بعيني رأسي مهينًا ذليلًا خادمًا على باب مسجده بالقاهرة، يتلقى نعال المصلين يحفظها في ذلة وصغار) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت