الأخذ بسدّ الذرائع فهو أصل عظيم أخذ به الإمام مالك وأخذ به أيضًا الإمام أحمد - في الحقيقة- أخذ به العلماء كلهم لكن للإمام مالك مزيد اعتناء به حتى إنه كان يتشدد في أمور مخافة أن توصل إلى البدعة ويتشدد في أمور مخافة أن توصل إلى الإثم ويتشدد في أمور لأنها ذريعة إلى واجب من الواجبات وقد فصل ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين في الاحتجاج لهذا الأصل العظيم أصل سد الذرائع وأما العرف فقد أخذ به المالكية وبالغوا في الأخذ به حتى إن المتأخرين أدخلوا في الدين كثيرًا من البدع ومن المخالفات الشرعية بحجة أن العرف أخذ بها واحتج بها وبحجة أنها موافقة للعرف حتى صنَّفوا في ذلك منظومات عرفت بالعمليات وذلك أنهم نظروا في أعراف التجار وأهل الصنائع -و ما إلى ذلك- فاستفادوا منها في الفقه فلذلك تجدهم يقولون عمل أهل فاس وعمل أهل قرطبة وعمل أهل سوس وعمل أهل كذا فجعلوا أعمال هؤلاء أصل من الأصول التي تعتمد في الفتوى فيفتى بالشاذّ لأن العرف جرى به ويفتى بالضعيف لأن الغرف جرى به - وما إلى ذلك- حتى تسير الحياة - يعني في الأصل أن هذا أمر جيد لأن الفتوى القوية إذا عضدها العرف والعمل وأخذ بها النَّاس كان في الإفتاء بالضعيف مقابل المشهور أو القوي كان في ذلك رحمة للناس أما إذا أضحت الأعراف يُعمل بها وتقدم على نصوص الكتاب والسنة وتقدم على المنصوص عليه حتى يضحى ما عليه المتأخر ون يخالف ما عليه المتقدمين فعندئذ تدخل البدع في دين الله بحجة أن العمل جرى عليها ولا يبقى لذلك قاعدة مضطردة إذ ما من عصر إلا ويخالف العصر الذي سلف وسبق وإذا جئنا نسرد هذه القاعدة أدخلنا في دين الله ما ليس منه وإذا كان مذهب الإمام مالك هو المذهب الذي بني على أصل سد الذرائع وعلى أصل نبذ البدع؛ أصل هذه الأصول من ناحية فإنه بأخذه بالعرف ومبالغة المتأخرين فيه زاحم تلك الأصول الأولى حتى أدخل المتأخرين في دين الله ما لا أصل له في الشرع وأصبح قول النبي - صلى الله عليه وسلم: «كل أمر ليس عليه أمرنا فهو رد» -لا قيمة له - أصبح لا قيمة له عند المتأخرين خاصة وقد عرفوا البدعة؛ قسموا البدعة إلى الأقسام الخمسة فأضحى كلّ ما تعود عليه الناس وكل ما جرى عليه العمل وقبله الأسلاف أضحى الناس يقولون إنا وجدنا مشايخنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون فتغير الوضع وتغير الدين وانحرف الناس عن سنة الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم - فلذلك الأخذ بالعرف هذا أصل معمول به في الشرع لكن أي عرف نعني؟ العرف الذي يخالف السنة والعرف الذي يخالف النصوص الشرعية أما كلّ ما خالف السنة وخالف النصوص الشرعية فهذا العرف