وكل ناظر إلى أحوالنا من انسلاخ الناس عامة وعلماء كبارا وصغارا من دين الله عز وجل ورجوعهم القهقرى إلى الجاهلية الأولى إلى البهيمية حتى أصبح النساء يخرجن من غير ثياب إلا ما لا يكاد يستر منهم إلا العورة المغلظة ويتسابقون إلى شواطئ البحار عراة كالبهائم رجالا ونساء كبارا وصغارا وضاعت المروءة وبكينا على الأعراض وضاعت الأمانة كل هذا بسبب غياب خليفة المسلمين.
فمن أجل ذلك كان تنصيب الخليفة فرضا كفائيا على الأمة وكل من لم يسعى لذلك كان راضيا بالكفر ومن تشبه بقوم فهو منهم سأل الله العافية والسلامة وقد ينكر بعض الناس هذا الكلام الذي نقوله مع أنه ذكرنا أقوال كبار الأئمة ويقول إن كلامهم هذا هو تشبيه لأناس مسلمين يصلن ويصومون ويزكون ويحجون بعبادة الأوثان الذين حاربهم الرسول صلى الله عليه وسلم والجواب أن نقول يا معاشر الأخوة الأمة أن النبي ما حارب قومه وما قاطعهم وما بدت بينه وبينهم العداوة والبغضاء أبدا إلا لتركهم الحكم بها أنزل الله وتحاكمهم إلى أهوائهم وشهواتهم ونزواتهم لأن القوم كانوا يقرون بالله عز وجل كما بينا ويقرون له بأنه هو الرب المعبود الخالق الإله المصور ولكنهم كانوا يعطلونه عن الحاكمية وقد بين هذا المعنى أتم بيان ذلك الإمام المفسر العظيم الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله أيضا فقال في تفسيره الإشراك بالله في حكمه والإشراك به في عبادته كلها بمعنى واحد لا فرق بينهما البتة فالذي يتبع نظاما غير نظام الله وتشريعا غير تشريع الله ومن كان يعبد الصنم ويسجد للوثن لا فرق بينهم البتة فهما واحد وكلاهما مشرك بالله وأيضا السيد قطب صاع هذا المعنى بأسلوب آخر في تفسيره فقال إن الذين يحكمون على عابد الوثن بالشرك ولا يحكمون على المتحاكم إلى الطاغوت بالشرك ويتحرجون من هذه ولا يتحرجون من تلك أن هؤلاء لا يقرؤون القرآن ولا يعرفون طبيعة هذا الدين فليقرؤوا القرآن كما أنزله الله وليأخذوا قول الله بجد: وإن أطعمتموهم أنكم لمشركون وهذا بين لما دخل عدي بن خاتم على النبي وكان يتلو اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله قال يا رسول إنا لا نتخذهم أربابا من دون الله قال أليسوا قد أحلوا لكم الحرام فأطعتم، أليسوا قد حرموا عليكم الحلال فأطعتم، قال تلك عبادتكم إياهم والحديث رواه الترمذي وسنده حسن.
وكلام العلماء في هذا المعنى كثير وأنا أعرضت عن كثير من النقول مخافة التطويل منها نقول كثيرة نقلها أحمد بن محمد شاكر في ثنايا حاشية على اختصار ابن كثير عمدة