يُقَسِّمُ الإيمان لأصل وكمال، ويُقَسِّمُ الكمال لواجب ومستحب على نفس المعنى المذكور، ولا مشاحة في ذلك لاتحاد المعنى.
وأما أهل البدع من المرجئة والخوارج فيخلطون بين هذه المراتب، حيث يجعلون أصل الإيمان والإيمان الواجب مرتبة واحدة، ثم يختلفون بعد ذلك، فالخوارج يجعلون هذه المرتبة هي أصل الإيمان، فيُكَفِّرِون من خالفهم فيها، وكذلك من وقع لديه خلل أو تقصير في أي من الأعمال الداخلة فيها، ولو لم تكن ناقضة للإيمان، وأما المرجئة فيُخرجون هذه المرتبة كليًا عن أصل الإيمان، ويجعلونها هي الإيمان الواجب، ويجعلون أصل الإيمان هو مجرد التصديق، ولهذا لا يُكَفِّرِون من وقع فيما هو ناقضٌ لأصل الإيمان.
فالخوارج والمرجئة يتفقون في جعل أصل الإيمان والإيمان والواجب مرتبة واحدة، لكنهم يختلفون في حكم المقصر فيها، فالخوارج يكفرونه، باعتبار أن هذه المرتبة جميعها هي أصل الإيمان، والمرجئة لا يكفرونه، باعتبار أن هذه المرتبة جميعها هي الإيمان الواجب.
هذه مقدمة مهمة ينبغي استحضارها قبل النظر في القول بتمييع التوحيد وتسخيفه وتشويهه.
وذلك أن من ينظر في مقالات أصحاب هذا القول يجدهم يصفون خصومهم بذلك لأجل تقصير أو شبهة تقصير منهم في بعض ما يدخل في كمال الإيمان الواجب لا في أصله، أو لأجل مخالفتهم لهم في مسائل فقهية اجتهادية لا تخرج الأحكام الفقهية فيها عن هذه المرتبة من الإيمان، وهي مرتبة الإيمان الواجب، وهذا ظاهره أنهم يجعلون أصل الإيمان والإيمان الواجب على مرتبة واحدة، وهذا لا شك أنه من الغلو.
هذا على سبيل الإجمال، أما عند التفصيل فقولهم"تمييع التوحيد"يحتمل أمورًا: