إما أن يراد به أصل الإيمان، وإما أن يراد به خلل في تقرير مسائل الإيمان والاعتقاد، وإما أن يراد به كمال الإيمان الواجب.
فإن أرادوا بقولهم"تمييع التوحيد"أصل الإيمان، فهذا من الغلو، وهي طريقة الخوارج، لأن المسائل التي يجعلونها سببًا في وصف المجاهدين بـ"تمييع التوحيد"مندرجة تحت مرتبة كمال الإيمان الواجب لا أصله، فالمخطئ فيها إما مجتهد معذور يُغفر له، أو عاص غير معذور يُنكر عليه، فجعلهم هذه المسائل من أصل الإيمان فيه مشابهة للخوارج الذين يُدخلون الإيمان الواجب في أصل الإيمان، ويجعلونهما مرتبة واحدة يحكمون على المقصر أو المخالف فيها بالكفر.
وظاهر كلامهم -والأصل في الكلام أنه على الظاهر والحقيقة كما هو مقرر لدى الأصوليين- أنهم يقصدون بـ"تمييع التوحيد"ما هو من جنس أصل الإيمان، وذلك أنهم كثيرًا ما يذكرون ويؤكدون أن خلافهم مع المجاهدين ليس في بعض المسائل الفقهية أو المنكرات الشرعية، وإنما هو في ذات التوحيد وأصل الإيمان، ولهذا يذمون المرء أو الطائفة التي يصفونها بـ"تمييع التوحيد"ذمًا كليًا مطلقًا يغلب جميع حسناتها، ويهدرون هذه الحسنات كلها كأنها هباء منثور، وهذا لا يكون إلا لمن وقع في الكفر والردة، لقول الله تعالى: {وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} [1] ، وطريقة القوم في تعاملهم مع من يصفونه بتمييع التوحيد جارية على هذا المعنى، وهذا يظهر لمن سبر أقوالهم.
وهذا القول منا ليس على سبيل إلزامهم بلازم كلامهم كما يزعم البعض، بل هو صريح منطوق أقوالهم، إذ أنهم يحصرون النزاع والخصومة في التوحيد، ويأبون
(1) المائدة: 5.