وهذه الأقوال منهم تبين أن قولهم بـ"تمييع التوحيد"إنما يقصدون به أصل الإيمان، وأننا نناقشهم في منطوق قولهم لا في لازمه، وأما زعمهم أن التحذير من إطلاقاتهم البدعية تهوين من الكفر وترقيع له، فهذا مما يؤكد ما ذكرناه عنهم من الغلو، وإن لم يكن هذا من الغلو فليس هناك غلو.
وجميع ما ينقمه القوم من المجاهدين ويرمونهم بتمييع التوحيد لأجله لا يخرج عن أحوال، إما أن يكون تقصيرًا وخطأً في مرتبة الإيمان الواجب، أو اجتهادًا فقهيًا يسع الخلاف فيه -وهو اجتهاد يجري على أصول أهل السنة في تقرير المسائل والنظر فيها واستنباط الأحكام الشرعية وتحقيق مناطها، وإن أخطأ أو أصاب صاحبه فهو بين الأجر والأجرين-، أو كذبًا على المجاهدين ليس له أصل في الواقع، لكنهم يرددونه دون تثبت، أو عن عمد عدم التثبت انسياقًا وراء الخصومة.
وأما إن زعموا أنهم لا يقصدون بـ"تمييع التوحيد"ما ينقض أصل الإيمان -رغم إقرارهم بأنهم يقصدون به ذلك كما أثبتنا-، وإنما يقصدون به ما كان من خلل نظري في تقرير بعض مسائل العقيدة، كفَهمِ مسائل الإيمان والولاء والبراء وغير ذلك، فهذا زعم لا يُسَلَّم لهم، لأنهم يصرحون بخلافه وبما يفيد التكفير كما ذكرنا.
ولو سلمنا لهم بزعمهم على سبيل الجدل والتنزل، لما أُقِرُّوا على أوصافهم التي يُطلقونها، فمعلوم أن ما يقع المرء فيه من خطأ في فهم وتقرير بعض مسائل العقيدة مما لا ينقض أصل إيمانه وتوحيده، فإنه ينبغي أن يُعامَل فيه بعدل وإنصاف، كما هو منهج السلف، فلا تُهدَر جميع حسناته، ولا يُذَم ذمًا كليًا لأجله، كما هو الحال مع من كفر بالإيمان وحبط عمله.
فهذا الإمام أبو حنيفة ~، وهو مجتهد مطلق ومن كبار الأئمة والفقهاء في