لا يخفي أن الله - سبحانه وتعالى - إنما أمر الناس بالتوحيد ليتعبدوه به ديانة، لا ليستغلوه بينهم في الخصومة، لكن البعض يأبى غير ذلك، ويُكثر من الدندنة حول التوحيد، والجدل والمراء مع مخالفيه حول هذا الباب، وحول شخصه، مستترًا بلفظ التوحيد وشعاره، زاعمًا أنه يتعبد الله بهذا الجدل، وأنه جدل حول التوحيد، وأنه من الدعوة التي يتقرب بها إليه، وهذا منه على خلاف منهج النبي (في دعوته إلى التوحيد.
فقد كان النبي (أحرص الناس على التوحيد وأكثرهم دعوة إليه، لكنه لم يكن يماري في ذلك مطلقًا، بل كان ينهى عن الجدل والمراء ولو كان لنصرة الحق، وأحق الحق هو التوحيد، كما روى عنه أبو داود في سننه أنه قال: {أَنَا زَعِيمٌ بِبَيتٍ فِي رَبَضِ الجَنَّةِ لِمَن تَرَكَ المِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًَّا} [1] ، وهذا فيه دلالة أن اجتماع المسلمين ووحدة كلمتهم من أولى أولويات الدين، وأنها تُقَدَّم في مواضع على نصرة الحق وإظهاره على الباطل.
وهذا من فقه الأنبياء، ومنه قول هارون لموسى ^: {إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} [2] .
قال القرطبي ~: (أي خشيت أن أخرج وأتركهم، وقد أمرتني أن أخرج معهم، فلو خرجت لاتَّبعني قوم وتخلف مع العجل قوم، وربما أدى ذلك إلى سفك
(1) سنن أبي داود (4800) .
(2) طه: 94.