الصفحة 44 من 72

الدماء، وخشيت إن زجرتهم أن يقع قتال، فتلومني على ذلك) [1] .

وهو كذلك فعل النبي (، فقد كان يُعرض عن الجدل والمراء ولو كان لنصرة التوحيد وأصل الإيمان، فإذا كان هذا في أصل الإيمان، فهو فيما دونه أولى وآكد، ولهذا كان كثيرًا ما يجادله قومه فيُعرض عنهم ويسكت، ومعلوم أنهم كانوا يجادلونه في التوحيد وأصل الإيمان، وكان كلما وقع الجدال بين أصحابه -ولو كان جدالًا فيما يُعَظِّمهُ الدين- أسكتهم وأصلح بينهم، ولو كان في ذلك تأجيلًا لإظهار الحق، وفي سيرته ما يشهد على ذلك.

ومن ذلك ما كان من دعوته لعشيرته وأقربائه أول نزول الوحي عليه، فلما أراد دعوتهم ابتدره أبو لهب بالحديث والجدل، وأساء الكلام معه، وكان مما قال له: (فما رأيت أحدًا جاء على بني أبيه بشر مما جئت به) ، فسكت النبي (ولم يتكلم في ذلك المجلس.

وكذلك لما نادى في الناس وهو على جبل الصفا ودعاهم إلى الإسلام، وقال له أبو لهب: (تبًا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟!) ، لم يرد عليه النبي (ولم يجادله.

ولما جاءه أبو الوليد عتبة بن ربيعة يعرض عليه أمورًا ليكف عن دعوته إلى الإيمان والتوحيد، فعرض عليه المال أو الشرف أو الملك أو الطب، وهذا كله فيه طعن بنية النبي (ومقصده من الدعوة والرسالة، لكنه لم يلتفت لذلك، ولم يجادله أو يماريه في شيء مما قاله، بل تلا عليه آيات من سورة فصلت.

ولما جادله قومه بأمور ذكرها القرآن الكريم، كقولهم عن القرآن: {إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ} [2] ، وقولهم: أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ

(1) الجامع لأحكام القرآن، 14/ 126.

(2) الفرقان: 4.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت