الصفحة 45 من 72

بُكْرَةً وَأَصِيلًا [1] ، وقولهم: {مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلاَ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا. أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلًا مَّسْحُورًا} [2] ، وغير ذلك من أقوالهم الجدلية، لم يُماريهم النبي (في أي منها، وإنما استمر في دعوته وبيانه الحق وتبليغه للناس، مكتفيًا في ذلك بتكذيب القرآن لهم وبيانه وإثباته لبطلان كلامهم، دون الدخول معهم في جدل تفصيلي يستهلك عمر الدعوة ويصرف الناس عن حقيقة ما يدعو إليه النبي (، وهذا ضابط مهم في باب الجدل المشروع، من يُهمله يقع في الجدل والمراء المذموم.

وسبب إعراض النبي (عنهم أن الحق يضيع بين الجدال والمراء، فيتيه الناس عنه ولا يُدركونه، ثم ينصرفون عن هذه الدعوة الجدلية التي عجزوا عن معرفة حقيقتها لما يعتريها من جدل ومراء.

والجدل الخصومي دليل على عدم بحث المرء عن الحق وتجرده له، وأنه إنما تقوده الرغبة في الانتصار للنفس والرأي، وليس هذا بخُلُق الرسل في دعوتهم، ولا بخلق أتباعهم كذلك، ولهذا أعرض عنه النبي (في جميع أحواله، وجعله سببًا للضلال، كما جاء عنه في سنن الترمذي أنه قال: {مَا ضَلَّ قَومٌ بَعدَ هُدىً كَانُوا عَلَيهِ إِلَّا أُوتُوا الجَدَلَ} [3] ، ثم تلا الآية: {وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُون} [4] .

(1) الفرقان: 5.

(2) الفرقان: 7 - 8.

(3) سنن الترمذي (3253) .

(4) الزخرف: 58.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت