وهكذا كان حال رسول الله (حين يجادله قومه، يُعرض عنهم ولا يجادلهم، ويقوم وينصرف عنهم، مع كونه على حق مطلق، وعلى يقين من هذا الحق يفوق كل ما في قلوب جميع الناس من يقين، ومع ذلك كان يقول لأهل الجدل والمراء من قومه كما علمه ربه: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِين. قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُون. قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيم} [1] .
فكيف بمن يختلفون في أمور اجتهادية أحكامهم فيها مبنية على الظن، ثم يتجادلون ويماري بعضهم بعضًا في ذلك زمنًا أو أزمنة، ليُثبت كل منهم أنه على حق وصواب في هذه الأمور الظنية، زاعمين أن ما بينهم من مراء إنما هو للدفاع عن التوحيد وحماية جنابه، وأنهم قد خلصوا من أهواء نفوسهم، ومن نظر في حالهم وكلامهم عَلِمَ يقينًا أن التوحيد ورسوله من جدالهم ومِرَائهم براء، وأن الأمر لا يعدو حزازات نفوس ونزغات شيطان.
ولا يصح القول بأن هذا الجدل من المشركين إنما كان جدلًا حول شخص النبي (، وأن رسول الله (لا يلتفت للأمور الشخصية، لهذا تَرَفَّعَ عنه وتركه، بل كان جدلًا حول صحة نبوته، وحول صحة القرآن المنزل عليه، كما يظهر من النصوص التي ذكرناها وغيرها، والجدل حول شخص النبي (، لا يدخل في باب الخصومات الشخصية، لأن الطعن في شخصه طعن في النبوة، والطعن في كلامه طعن في الوحي.
ولو صح القول بأنه كان جدلًا حول شخص النبي (لما صح للقوم الاستدلال بذلك، لأنهم أكثر الناس جدلًا حول أشخاص شيوخهم.
وكما كان هدي رسول الله (الإعراض عن الجدل والمراء، فقد كان كذلك
(1) سبأ: 24 - 26.