الصفحة 47 من 72

هدي السلف، فكانوا يبغضون الجدل ويُحذِّرون منه، ومن ذلك قول الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ~: (من جعل دينه غرضًا للخصومات أكثر التنقل) ، وقول الإمام الأوزاعي ~: (إذا أراد الله بقوم شرًا ألزمهم الجدل ومنعهم العمل) .

والجدل والمراء حول التوحيد على الصورة التي نراها من القوم فضلًا عن كونها مخالفة لمنهج النبي (، فإنه لا يخلو مآلها من أحوال جميعها فساد وشر، فإما أن يؤول الأمر بكفر أحد الفريقين نُفورًا من خصمه، أو يقع الخصم في الغلو عنادًا مع مخالفه، لكثرة جداله له في هذا الباب ودخول المراء والخصومة بينهما فيه، والخصومة والمراء لو دخلا بين الناس في التوحيد وأصل الإيمان، فلا يخلو الأمر من تكفير وتبديع، وردة وضلال.

وقد يقع كلا الأمرين معًا، فيكفر أحد الفريقين ويقع الآخر في الغلو، وجميع هذه الأحوال شر في دين الله - سبحانه وتعالى -، والشر ينبغي دفعه وعدم الاستمرار عليه، مهما تزين للمرء بقاؤه فيه، فإن هذا التزين من حبائل الشيطان ومكره بالإنسان، ومآله الضلال والغواية، كما قال الله: {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُون} [1] .

وقد صح عن ابن مسعود > كما في الصحيحين أنه قال: (كَانَ النَّبِيُّ(يَتَخَوَّلُنَا بِالمَوعِظَةِ فِي الأَيَّامِ كَرَاهَةَ السَّآمَةَ عَلَينَا) [2] ، فإذا كانت السآمة ممكنة في حق رسول الله (، وهو من هو في نفوس أصحابه، فلا شك أن إمكانها وتحققها

(1) النمل: 24.

(2) صحيح البخاري (68) ، صحيح مسلم (82/ 2821) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت