والصواب أن إدخال مسائل الفقه والسياسة الشرعية -التي تخضع للاجتهاد والنظر في الحال والقدرة والاستطاعة والمصلحة والمفسدة وتعارض الواجبات وتزاحم الحسنات والسيئات والمصالح والمفاسد والنظر في مآلات الأمور- في باب التوحيد والعقائد يؤدي إلى الغلو ويُضيِّق على الأمة ما وسعه الله ويُسهِّل الطريق للتفرق والتحزب ويُغلق باب التوحد واستيعاب المخالف، وليس هذا من هدي السلف ولا من منهج أهل السنة والجماعة.
مما هو معلوم من سيرة النبي (أنه ذهب لعمرة الحديبية في العام السادس من الهجرة، وأرسلَ عثمانَ بن عفان > إلى قريش ليخبرهم بأنه إنما جاء للعمرة ولم يأت لقتال، فلما ذهب عثمان > احتبسته قريش عندها، ووصل الخبر إلى النبي (وأصحابه أنه قد قُتِل، فبايعهم على الموت وعدم الفرار، وسميت بـ"بيعة الرضوان"، وأنزل الله فيها قرآنًا يُتلى إلى يوم القيامة، وذلك في قوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [1] .
فهذه بيعة أقامها النبي (لأجل رجل، ومدحها الله - عز وجل - في كتابه إلى يوم القيامة، ولو أن النبي (وأصحابه فعلوا ما تبايعوا عليه لربما كان في ذلك فناء الإسلام ونهايته، فإن بيعةً على الموت قد تعني فناء الجيش بأكمله، وهو جيش مؤلف من رسول الله (وصحابته كما هو معلوم، ففناء هذا الجيش يعني نهاية الإسلام وعلو الكفر والنفاق .. اللَّهُمَّ إِنْ تُهلِكْ هَذِهِ العِصَابَةَ مِنْ أَهلِ الإِسلَامِ لَا تُعبَد فِي
(1) الفتح: 18.