والبراء ومفاصلة المشركين وجهادهم هو نفسه الذي عقد الهدن والمعاهدات والتحالفات السياسية مع أهل الكفر الذين حاربهم بنفسه زمنًا وقُتِلَ في محاربته لهم من قُتِلَ من أصحابه، وهو نفسه الذي ترك قتل بعض المنافقين وقَبِلَ بعض اعتذاراتهم في التخلف عن الغزو، بينما أمر بقتل كعب بن الأشرف وسلَّام بن رافع بن أبي الحُقَيق، وهو نفسه الذي هادن اليهود -تحييدًا لهم- رغم علمه بأن دينهم الغدر وأنهم قتلة الأنبياء، وهو نفسه الذي أراد إعطاء ثلث ثمار المدينة -وكانت تمثل حينها ثلث اقتصاد الأمة- لغطفان رغبة منه في تفريق صف المشركين في الأحزاب، فأراد إعطاء ثلث ثمار المدينة للمشركين رغم ما يقاسيه المسلمون حينها من جوع وفقر، حتى إن أحدهم ليربط الحجر على بطنه من شدة الجوع في نفس الغزوة، مما يجعلهم أولى بهذه الثمار من غيرهم، لكن الاضطرار جعله يأخذ بالرخصة في هذا الموضع، وهو نفسه الذي لم يثأر من قتلة الصحابة في بئر معونة وبعث الرجيع، بل ولم يسع في مطاردتهم، وإنما اكتفى بالدعاء عليهم، مع أنه سعى للثأر من غيرهم في مواضع أخرى، وهو نفسه الذي عاهد قريشًا وصالحها في الحديبية، مع أنه قاتلها في مواضع أخرى كثيرة، وكل هذه التصرفات المختلفة منه (وغيرها هي من الاجتهادات الفقهية والسياسية التي تتعلق بواقع الحال، وتتغير بتغيره واختلافه.
وهذه التصرفات يقبلها القوم من رسول الله (ويعتبرونها منه حكمة وسياسة، ولا يقبلونها من غيره، ويعتبرونها خنوعًا وتنازلًا وانبطاحًا وتمييعًا للحق والتوحيد، رغم علمهم وإقرارهم بعدم خصوصيتها في حقه، وذلك لوقوعهم نفسيًا تحت سطوة الأسماء .. هذا رسول الله؛ فمن أنت؟!، وكذلك لأنهم يتعاملون مع السيرة النبوية بمنهج القداسة الذي يُخرجها عن طبيعتها البشرية وإمكان تطبيقها في واقع الناس، وإن أنكروا ذلك قولًا، لكنه لسان حالهم يطبقونه عملًا.