الصفحة 16 من 72

وأما تَوقُف القوم عن الحكم بالكفر والردة على الطائفة التي وصفوها بـ"تمييع التوحيد"ففيه مشابهة للمرجئة، وذلك أن المرجئة لما أخرجوا الأعمال التي هي من أصل الإيمان عن هذه المرتبة، وجعلوها جميعها في الإيمان الواجب، لم يحكموا بالكفر على من وقع في نواقض الإيمان، فأصحاب القول بـ"تمييع التوحيد"في تناقض لا فكاك منه، فهم من جهة وصف الفعل شابهوا الخوارج، حيث أدخلوا في أصل الإيمان ما ليس منه، ومن جهة الحكم على الفاعل شابهوا الخوارج من وجه، حيث أطلقوا أوصاف التكفير على من لم يأت بما ينقض إيمانه، وشابهوا المرجئة من وجه آخر، حيث امتنعوا عن تكفير من أتى بما يرونه ناقضًا للإيمان دون مانع معتبر شرعًا، واعتبروا الشروط والموانع في النظر للطوائف وليس خاصًا بالأعيان، وتعذروا بالتفريق بين كفر النوع وكفر العين في الحديث عن الطوائف والأعيان، وهذا غاية في التناقض.

ومن أقوالهم كذلك التي تدل على أن مرادهم بـ"تمييع التوحيد"ما كان من جنس أصل الإيمان، ما صدر من بعضهم من نسبة من عُلِمَ إسلامه يقينًا ولم يأت بما ينقضه إلى خصوم التوحيد وورثة دعوة أعداء الرسل، وهذا يعني التكفير، لا يخالف في ذلك أحد، وذلك أن من خاصم التوحيد في أي من مراتبه كفر، بل من خاصم أيًا من أحكام الشريعة -ولو كانت من النوافل والمستحبات- كفر، فكيف بالتوحيد أصل الدين؟!.

وخصوم التوحيد وأعداء الرسل لا يخالف في كفرهم أحد إلا الزنادقة، ومن يكون أعداء الرسل سوى فرعون وهامان وقارون وأبو جهل وأبو لهب وأُبَيّ بن خلف وعبد الله بن أُبَيِّ بن سلول وغيرهم ممن هو على شاكلتهم، وهؤلاء كفار بإجماع أهل القبلة، لم يخالف في ذلك أحد، سواء في ذلك أهل السنة أو أهل البدعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت