* بل بلغوا لها إلى أن تهب كلك للمحبوب فلا يبقى لك منك شيء والمراد أن تهب ارادتك وعزمك وافعالك ونفسك ومالك ووقتك لمن تحب وتجعلها حسبا في مرضاته، فلا تأخذ لنفسك من نفسك الا ما أعطاك هو فتأخذه منه له.
ولذلك قالوا فيها (المحبة أن يكون كلك بالمحبوب مشغولا وذلك له مبذولا)
2 -موافقة الحبيب في المشهد والمغيب وبذل المجهود في طاعته وترك الاعتراض عليه، أو الميل الدائم للحبيب القائم: فالمحبة غرست اعضائها في القلب فأثمرت الموافقة والطاعة وقد قالوا في المحبة (المحبة ميلك إلى المحبوب بكليتك، ثم أيثار له على نفسك وزوجك ومالك، ثم موافقتك له سراَ وجهراَ، ثم علمك بتقصيرك في حبه)
فلا تزال عاتبا على نفسك في مرضاة المحبوب وتتبعها بل لا يزال قلبك متيقظا لمواطأة ومرضاة ومحبة مرادات المحبوب؛ وقد عبروا عنها بقولهم (المحبة نار تحرق ما سوى مراد المحبوب) وانتقد شيخ الاسلام هذا الاطلاق لدخول الكون كله في مراد الله القدري، ولذلك وجّهه تلميذه ابن القيم في المدارج (3\ 18) بقوله: (قائله إنما أراد أنها تحرق من القلب ما سوى مراد المحبوب الديني الأمري، الذي يحبه ويرضاه، لا المراد الذي قدره وقضاه) أ ه
فالمحب الصادق لو بذل لمحبوبه جميع ما يقدر عليه لاستقله واستحيى منه، ولو ناله من محبوبه أيسر شيء لاستكثره واستعظمه.
بل قالوا: أن من ذلك أن تغار على المحبوب أن يحبه مثلك؛ ومرادهم احتقارك لنفسك واستصغارها أن يكون مثلك من محبيه، وهذا إذا كان دافعا للاجتهاد لتحصيل المحبة والمبادرة إلى مقتضياتها فحسن؛ لكن إذا أدى إلى القعود والانقطاع فليس بمراد فبحثنا هذا كله لتحصيل المحبة الدافعة للعمل.
6 -استكثار القليل من جنايتك واستقلال الكثير من بَذلك: المحب يستعظم ويستكبر معصيته وجنايته في حبيبه ولو كان صغيرا في حسابات الخلق لأنه ينظر إلى عظم من عصاه، ويستقل كثيرا مما يبذله في سبيله؛ لأن كل الوجود لمولاه فأي شيء هذا الذي يبذله عبده في مقابل ملك الله.