فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 118

إلى أن قال: (والذين توسعوا من الشيوخ في سماع القصائد المتضمنة للحب والشوق واللوم والغزل والغرام كان هذا أصل مقصدهم. ولهذا أنزل الله للمحبة محنة يمتحن بها المحب فقال:(قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) فلا يكون محبا لله إلا من يتبع رسوله، وطاعة الرسول ومتابعة تحقيق العبودية وكثير ممن يدعي المحبة يخرج عن شريعته وسنته ويدعي من الخيالات مالا يتسع هذا الموضع لذكره حتى قد يظن أحدهم سقوط الأمر وتحليل الحرام له، وغير ذلك مما فيه مخالفة شريعة الرسول صلى الله عليه وسلم وسنته وطاعته، بل قد جعل محبة الله ومحبة رسوله الجهاد في سبيله، والجهاد يتضمن كمال محبة ما أمر الله به وكمال بغض ما نهى الله عنه ولهذا قال في صفة من يحبهم ويحبونه (أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله) ولهذا كان محبة هذه الأمة لله أكمل من محبة من قبلها وعبوديتهم لله أكمل من عبودية من قبلهم وأكمل هذه الأمة في ذلك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ومن كان بهم أشبه كان ذلك فيه أكمل فأين هذا من قوم يدعون المحبة؟!)

إلى قوله: (فاتباع الشريعة والقيام بالجهاد من أعظم الفروق بين أهل محبة الله وأوليائه الذين يحبهم ويحبونه وبين من يدعي محبة الله ناظرا إلى عموم ربوبيته أو متبعا لبعض البدع المخالفة لشريعته فإن دعوى هذه المحبة لله من جنس دعوى اليهود والنصارى المحبة لله، بل قد تكون دعوى هؤلاء شرا من دعوى اليهود والنصارى لما فيهم من النفاق الذين هم به في الدرك الأسفل من النار كما قد تكون دعوى اليهود والنصارى شرا من دعواهم إذا لم يصلوا إلى مثل كفرهم) أ هـ.

إلى قوله رحمه الله:(وكثير من المخطئين الذين اتبعوا أشياخا في الزهد والعبادة وقعوا في بعض ما وقع فيه النصارى، من دعوى المحبة لله مع مخالفة شريعته وترك المجاهدة في سبيله ونحو ذلك ويتمسكون في الدين الذي يتقربون به إلى الله بنحو ما تمسك به النصارى من الكلام المتشابه والحكايات التي لا يعرف صدق قائلها ولو صدق لم يكن قائلها معصوما فيجعلون متبوعيهم شارعين لهم دينا كما جعل النصارى قسيسيهم ورهبانهم شارعين لهم دينا، ثم أنهم ينتقصون العبودية ويدعون أن الخاصة يتعدونها كما يتعدى النصارى في المسيح، ويثبتون للخاصة من المشاركة في الله من جنس ما تثبته النصارى في المسيح وأمه إلى أنواع أخرى يطول شرحها في هذا الموضع.

وإنما دين الحق هو تحقيق العبودية لله بكل وجه، وهو تحقيق محبة الله بكل درجة وبقدر تكميل العبودية تكمل محبة العبد لربه وتكمل محبة الرب لعبده وبقدر نقص هذا يكون نقص هذا.

وكلما كان في القلب حب لغير الله كانت فيه عبودية لغير الله بحسب ذلك، وكلما كان فيه عبودية لغير الله كان فيه حب لغير الله بحسب ذلك)أ هـ.

محبة الله كل يدّعيها ولكن الشأن كل الشأن أن يحبك الله

(قوم يحبهم ويحبونه)

كل يدعي أنه يحب الله وحتى لو صدق فهذه ليست هي الغاية التي يتطلع إليها المحبون بل هي وسيلة للبلوغ إلى الغاية العظيمة وهي أن يحبهم الله ففي نيل هذه الغاية وبلوغها سعادة الدارين ولها من الآثار والثمار في الدنيا والآخرة ما يجعل أحرص الخلق يسعون إليها ويتطلعون إلى نيلها.

كما في حديث يوم خيبر حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله) وسيأتي؛ ولكن محل الشاهد منه هنا قول الراوي بعد ذلك (فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يُعطاها فلما أصبحوا غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجو أن يعطاها) وفي رواية أن عمر قال: (ما أحببت الإمارة إلا يومئذ) فتأمل تطلع الصحابة واستشرافهم إليها وتأمل حرصهم عليها مع أن كثيرا منهم لا يحب الإمارة وكلهم دون شك يحبون الله ويحبون رسوله صلى الله عليه وسلم ولكنهم يسعون بالفوز بهذه الغاية والمقصد العظيم أن يكونوا ممن (يحبهم ويحبونه) لا يحبونه فقط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت