الحمد لله الودود، وصلى الله وسلم على خليله المحمود، وعلى آله وأصحابه وأنصار الله الذين أحبهم وأحبوه وجادوا بأنفسهم وأموالهم في سبيله عظم الجود.
وبعد ...
فهذا كتاب يتخصص بذكر موضوع الحب على طريقة سنية عملية تدعو إلى العمل والدعوة والجهاد والاجتهاد، وترفض طريقة الأدعياء التي لم يكن الأولون عليها بل كانوا ينهون عنها ولا يحبون الحديث الذي يؤدي إليها، وذلك لأن هذا الباب كما يقول شيخنا ابن تيمية رحمه الله تعالى: (تكثر فيه الدعاوى والاشتباه، ولهذا يُروى عن ذي النون المصري أنهم تكلموا في مسألة المحبة عنده فقال: اسكتوا عن هذه المسألة لئلا تسمعها النفوس فتدعيها.
وقال بعضهم: من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق ومن عبد الله بالخوف وحده حروري ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجي ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد، و ذلك لأن الحب المجرد تنبسط النفوس فيه حتى تتوسع في أهوائها إذا لم يزعها وازع الخشية لله حتى قالت اليهود والنصارى: (نحن أبناء الله وأحباؤه) ويوجد في مدعي المحبة من مخالفة الشريعة ما لا يوجد في أهل الخشية، ولذلك قرن الخشية بها في قوله (هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ * من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب * ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود) وكان المشايخ المصنفون في السنة يذكرون في عقائدهم مجانبة من يكثر دعوى المحبة والخوض فيها من غير خشية لما في ذلك من الفساد الذي وقع فيه طوائف من المتصوفة) أ هـ. الفتاوى (10/ 52)
ولذلك نبهنا بين يدي مقدمتنا هذه على أننا صنفنا هذا الكتاب على طريقة المحبة السنية العملية التي تدعو إلى العمل والجهاد؛ وتصحّيحه وفق ما يحبه الله ويرتضيه، فذكرنا فيه آثار المحبة وثمراتها في الدنيا والآخرة، ثم تطرقنا إلى الصفات المحبوبة إلى الرب تبارك وتعالى وما تقتضيه من علم وإيمان وعمل وما يترتب عليها من ثمار عظيمة وآثار؛ معتمدين في الأصل على ما ورد في القرآن الكريم منها مبينين ذلك بما ورد في السنة من شرحه وبيانه وتكميله والزيادة عليه .. حيث كنت قد جردت لذلك ولغيره صحيح الجامع الصغير وزيادته واستخرجت جميع الأحاديث المتعلقة بالموضوع منه.
وحتى نقترب من الكمال في بحثنا عرجنا أيضا سريعا على ما يقابل الصفات المحبوبة من الصفات المبغوضة غير المحبوبة إلى الله تعالى مما ورد منها في القرآن العظيم وما يبينه ويشرحه ويكمله من السنة المطهرة ... فما كان من ذلك مقابلا للصفات المحبوبة ذكرناه عند ما يقابله، وما كان فردا جعلناه وحده في ذيل الكتاب، والله المسؤول أن يجعلنا من المصطفين المتصفين بصفات محبته، وأن يجعلنا بفضله ممن يحبهم ويحبونه؛ أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم والله واسع عليم.
شعبان 1435 هـ