فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 118

(ما بين المحبة والإرادة)

في أفعال الله وصفاته

قال شيخ الإسلام:(وكذلك مسألة القدر التي هي من جملة فروع هذا الأصل فإنه اجتمع في الأفعال الواقعة التي نهى الله عنها أنها مرادة له لكونها من الموجودات.

وأنها غير محبوبة له بل ممقوتة مبغوضة.

فأثبتوا وجود الكائنات بدون مشيئة، ولهذا لما قال غيلان القدري لربيعة ابن أبي عبد الرحمن: يا ربيعة نشدتك الله أترى الله يحب أن يعصى؟

فقال له ربيعة: أفترى الله يعصى قسرا؟ فكأنه ألقمه حجرا،

يقول له: نزّهته عن محبة المعاصي؛ فسلبته الإرادة والقدرة وجعلته مقهورا مقسورا.

وقال من عارض القدرية: بل كل ما أراده فقد أحبه ورضيه ولزمهم أن يكون الكفر والفسوق والعصيان محبوبا لله مرضيا.

وكما تفرقوا في صفات الخالق، تفرقوا في صفات المخلوق ...

أولئك نفوا القدرة الكونية التي بها يكون الفعل.

وهؤلاء نفوا القدرة الدينية التي بها يأمر الله العبد وينهاه ...

وانقسموا إلى قدرية مجوسية: تثبت الأمر والنهي وتنفي القضاء والقدر.

وإلى قدرية مشركية شر منهم: تثبت القضاء والقدر وتكذب بالأمر والنهي أو ببعض ذلك.

وإلى قدرية إبليسية: تصدق بالأمر لكن ترى ذلك تناقضا مخالفا للحق والحكمة)أ هـ

وقال في موضع آخر: (إن محبته ورضاه مستلزم للإرادة الدينية والأمر الديني. وكذلك بغضه وغضبه وسخطه مستلزم لعدم الإرادة الدينية فالمحبة والرضا والغضب والسخط ليس هو مجرد الإرادة هذا قول جمهور أهل السنة) أ هـ

وقال تلميذه ابن القيم: (فأما المشيئة والمحبة فقد دل على الفرق بينهما القرآن والسنة والعقل والفطرة وإجماع المسلمين) (1/ 284) مدارج السالكين.

وذكر أن الله يخلق ما يحب وما يكره فإن الأعيان كلها خلقه وفيها ما يبغضه ويكرهه كإبليس وجنوده، وسائر الأعيان الخبيثة وفيها ما يحبه ويرضاه كأنبيائه ورسله وملائكته وأوليائه وهكذا الأفعال كلها خلقه ومنها ما هو محبوب له وما هو مكروه له؛ خلقه لحكمة له في خلق ما يكره قال تعالى: (والله لا يحب الفساد) مع أنه بمشيئته وقضائه وقدره.

وقال تعالى: (إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لبعاده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم) فالكفر والشكر واقعان بمشيئته وقدره وأحدها محبوب له مرضي والآخر مبغوض مسخوط.

وكذلك قوله عقيب ما نهى عنه من الشرك والظلم والفواحش والكبر (كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها) فهو مكروه له مع وقوعه بمشيئته وقضائه وقدره.

وقد فطر الله عباده على قولهم هذا الفعل يحبه الله وهذا يكرهه الله. والقرآن مملوء بذكر سخطه وغضبه على أعدائه وذلك صفة قائمة به يترتب عليها العذاب واللعنة لا أن السخط هو نفس العذاب واللعنة بل هما أثر السخط والغضب وموجبهما ولهذا يفرق بينهما كما قال تعالى: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما) ففرق بين عذابه وغضبه ولعنته وجعل كل واحد غير الآخر.

وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك) رواه مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت