فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 118

قال شيخنا ابن تيمية:(وأصل المحبة: هي معرفة الله سبحانه وتعالى ... ولها أصلان:

-أحدهما: وهو الذي يقال له:"محبة العامة"لأجل إحسانه إلى عباده وهذه المحبة على هذا الأصل لا ينكرها أحد فإن القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها، والله سبحانه هو المنعم المحسن إلى عبده بالحقيقة، فإنه المتفضل بجميع النعم وإن جرت بواسطة، إذ هو ميسر الوسائط ومسبّب الأسباب ولكن هذه المحبة في الحقيقة إذا لم تجذب القلب إلى محبة الله نفسه، فما أحب العبد في الحقيقة إلا نفسَه، وكذلك كل من أحب شيئا لأجل إحسان إليه فما أحب في الحقيقة إلا نفسه ...

والمقتصر على هذه المحبة لم يعرف من جهة الله ما يستوجب أنه يحبه إلا إحسانه إليه، وهذا كما قالوا: إن الحمد لله على نوعين: 1 - حمد هو شكر، وذلك لا يكون إلا على نعمة، 2 - وحمد هو مدح وثناء عليه ومحبته له، وهو بما يستحق لنفسه سبحانه فكذلك الحب.

-فإن الأصل الثاني: فيه هو محبته لما هو له أهل، وهذا حب من عرف من الله ما يستحق أن يحب لأجله، وما من وجه من الوجوه التي يعرف الله بها مما دلت عليه أسماؤه وصفاته إلا وهو يستحق المحبة الكاملة من ذلك الوجه حتى جميع مفعولاته .. إذ كل نعمة منه فضل، وكل نقمة منه عدل، ولهذا استحق أن يكون محمودا على كل حال، ويستحق أن يحمده على السراء والضراء، وهذا أعلى وأكمل، وهذا هو حب الخاصة، وهؤلاء هم الذين يطلبون لذة النظر إلى وجهه الكريم ويتلذذون بذكره ومناجاته ويكون ذلك لهم أعظم من الماء للسمك حتى لو انقطعوا عن ذلك لوجدوا من الألم ما لا يطيقون) أ هـ. [1]

وقال أيضا رحمة الله تعالى وهو يتكلم على الخلة والمحبة: (والمقصود هو أن الخلة والمحبة لله تحقيق عبوديته وإنما يغلط من يغلط في هذه من حيث يتوهمون أن العبودية مجرد ذل وخضوع فقط لا محبة معه، وأن المحبة فيها انبساط في الأهواء أو إدلال لا تحتمله الربوبية.

كما وجد في المستأخرين من انبسط في دعوى المحبة حتى أخرجه ذلك إلى نوع من الرعونة والدعوى التي تنافي العبودية وتدخل العبد في نوع من الربوبية التي لا تصلح إلا لله ويدعي أحدهم دعاوى تتجاوز حدود الأنبياء والمرسلين أو يطلبون من الله ما لا يصلح بكل وجه إلا لله لا يصلح للأنبياء والمرسلين، وهذا باب وقع فيه كثير من الشيوخ وسببه ضعف تحقيق العبودية التي بينتها الرسل، وحررها الأمر والنهي الذي جاؤوا به، بل ضعف العقل الذي به يعرف العبد حقيقته، وإذا ضعف العقل وقل العلم بالدين وفي النفس محبة انبسطت النفس بحمقها في ذلك كما ينبسط الإنسان في محبة الإنسان مع حمقه وجهله، ويقول: أنا محب فلا أؤاخذ بما أفعله من أنواع يكون فيها عدوان وجهل، فهذا عين الضلال، وهو شبيه بقول اليهود والنصارى (نحن أبناء الله وأحباؤه) ، قال تعالى: (قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء) فإن تعذيبه لهم بذنوبهم يقتضي أنهم غير محبوبين ولا منسوبين إليه بنسبة النبوة بل يقتضي أنهم مربوبون مخلوقون.

فمن كان الله يحبه استعمله فيما يحبه محبوبه، لا يفعل ما يبغضه الحق ويسخطه من الكفر والفسق والعصيان، ومن فعل الكبائر وأصر عليها ولم يتب منها فإن الله يبغض منه ذلك، كما يحب منه ما يفعله من الخير، إذ حبه للعبد بحسب إيمانه وتقواه.

ومن ظن أن الذنوب لا تضره لكون الله يحبه مع إصراره عليها كان بمنزلة من زعم أن تناول السم لا يضره مع مداومته عليه وعدم تداويه منه بصحة مزاجه، ولو تدبر الأحمق ما قص الله عليهم في كتابه من قصص أنبيائه وما جرى لهم من التوبة والاستغفار وما أصيبوا به من أنواع البلاء فيه تمحيص لهم وتطهير بحسب أحوالهم، علم بعض ضرر الذنوب بأصحابها ولو كان أرفع الناس مقاما، فإن المحب للمخلوق إذا لم يكن عارفا بمصلحته ولا مريدا لها بل يعمل بمقتضى الحب، وإن كان جهلا وظلما، كان ذلك سببا لبغض المحبوب له ونفور عنه بل لعقوبته.

وكثير من السالكين سلكوا في دعوى حب الله أنواعا من أمور الجهل بالدنيا، إما من تعدي حدود الله، وإما من تضييع حقوق الله وإما من ادعاء الدعاوى الباطلة التي لا حقوق لها.

(1) (10/ 53/54) الفتاوى باختصار يسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت