وكان - صلى الله عليه وسلم - يحثهم على طلب العلم، وتعلم القرآن الكريم، فعن عقبة بن عامر -رضي الله عنه- قال: «خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن في الصفة، فقال: أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان، أو إلى العقيق، فيأتي منه بناقتين كوماوين [1] ، في غير إثم، ولا قطع رحم، فقلنا: يا رسول الله نحب ذلك، قال: أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد، فيعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله عز وجل خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل» [2] .
وقد اشتهر بعض أهل الصفة بالعلم وحفظ الحديث، ومن أشهرهم أبو هريرة -رضي الله عنه-، فقد روى من الأحاديث خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وستين حديثًا، فهو أكثر الصحابة رواية للحديث، وأحفظهم، وقد حكى النووي الإجماع على ذلك، وقاله سعيد بن أبي الحسن، وابن حنبل، وتبعهما ابن الصلاح، والعراقي في الألفية وغيره، وترجمه الذهبي في طبقات الحفاظ، فنقل عن الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره، قال: وروى كهمس عن عبد الله بن شفيق: قال: قال أبو هريرة: لا أعرف أحدًا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحفظ لحديثه مني، وذكر أن ابن عمر قال لأبي هريرة: إن كنتَ لألزمنا، وأعلمنا بحديثه [3] .
وقد تحدث أبو هريرة -رضي الله عنه- عن طلبه العلم، وملازمته النبي - صلى الله عليه وسلم -، ودعائه له، فقال: «إنكم تقولون إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتقولون ما بال المهاجرين والأنصار لا يحدثون عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمثل حديث أبي هريرة، وإن إخوتي من المهاجرين كان يشغلهم صفق
(1) كوماوين: تثنية كوماء، وهي بفتح الكاف: العظيمة السنام من الإبل. الديباج على مسلم 2/ 399.
(2) رواه مسلم في صحيحه 1/ 553، باب فضل قراءة القرآن في الصلاة وتعلمه، حديث (803) .
(3) التراتيب الإدارية 2/ 271.