يحسبهم الجاهل أغنياء من التعففِ [1] ، قال بعض المفسرين: هم أهل الصفة كانوا نحوًا من أربعمائة من فقراء المهاجرين، يسكنون صفة المسجد، يستغرقون أوقاتهم بالتعلم والجهاد، وكانوا يخرجون في كل سرية بعثها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [2] .
وقال قتادة: حصروا أنفسهم في سبيل الله للغزو، فلا يستطيعون تجارة [3] .
ويذكر ابن عساكر في تاريخ دمشق [4] أن الموسرين من الصحابة كانوا إذا حضر غزو، عمدوا إلى أهل الصفة، فاحتملوهم، وجهزوهم في سبيل الله.
لذا كان منهم الشهداء ببدر، مثل: صفوان بن بيضاء، وخريم بن فاتك الأسدي، وخبيب بن يساف، وسالم بن عمير، وحارثة بن النعمان الأنصاري، ومنهم من استشهد بأحد، مثل: حنظلة الغسيل، ومنهم من شهد الحديبية، مثل: جرهد بن خويلد، وأبي سريحة الغفاري، ومنهم من استشهد بتبوك، مثل: عبد الله ذي البجادين، ومنهم من استشهد باليمامة، مثل: سالم مولى أبي حذيفة، وزيد بن الخطاب، نعم هكذا كانوا رهبانًا في الليل، فرسانًا في النهار [5] .
ومن هنا نستنتج أن قعود أصحاب الصفة عن العمل [6] ، وترك طلب
(1) سورة البقرة: 273.
(2) الكشاف للزمخشري 1/ 345؛ تفسير النسفي 1/ 133؛ تفسير البغوي 1/ 259؛ تفسير أبي السعود 1/ 265.
(3) تفسير الطبري 3/ 96.
(4) تاريخ مدينة دمشق 2/ 28.
(5) السيرة النبوية الصحيحة 1/ 264.
(6) يذكر بعض المفسرين أن أصحاب الصفة كانوا يرضخون النوى- يكسرونه لعلف الماشية- بالنهار، إلا أني لم أجد مستندًا لما ذكروه، بل المشهور من حالهم أنهم لم يكونوا يعملون، انظر: الكشاف للزمخشري 1/ 345؛ تفسير النسفي 1/ 133؛ تفسير البغوي 1/ 259؛ تفسير الثعلبي 2/ 275.
وأشار المقدسي في البدء والتاريخ 4/ 211 إلى أن أصحاب بئر معونة كانوا من أصحاب الصفة، وأنهم كانوا يرضحون النوى.