الرزق لم يكن إلا لأنهم فرغوا أنفسهم لطلب العلم، والجهاد في سبيل الله، وخدمة النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ومن كان هذا شأنه كان على ولي أمر المسلمين أن يتولى أمره، لذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتولى شؤونهم، وينفق عليهم، ويقدمهم على آل بيته، وهذا ما يفسر لنا سكوت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن تركهم العمل، والضرب في الأرض، بل وحث الصحابة على إكرامهم، والإنفاق عليهم، واستضافتهم.
قال الحافظ ابن حجر - في قصة إيثار أهل الصفة على علي وفاطمة رضي الله عنهما حينما طلبا خادمًا من السبي الذي جاءه-: «وآثر أهل الصفة؛ لأنهم كانوا وقفوا أنفسهم لسماع العلم، وضبط السنة، على شبع بطونهم، لا يرغبون في كسب مال، ولا في عيال، ولكنهم اشتروا أنفسهم من الله بالقوت» [1] .
وقال الملا علي القاري عن أهل الصفة: «بأنهم تهيئوا لتعلم القرآن، والخروج في السرايا؛ لقتال أهل الطغيان» [2] .
وأما ما نقله الكتاني في التراتيب الإدارية [3] عن ابن ليون التجيبي من أن أهل الصفة لم يتسببوا، ولم يشتغلوا بغير الذكر والفكر والقعود في المسجد، وأن القراء كانوا يخدمونهم، والنبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه يطعمونهم، وأن ترك التسبب طريقة أقرها النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم يصح أنه أمرهم بالتسبب، وإنما أمرهم بالتوكل، فهذا قول يناقضه ما جاء في الأحاديث الصحيحة التي حث فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - على العمل، وطلب الرزق، والأكل من عمل اليد.
فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لأن يحتطب
(1) فتح الباري 11/ 124.
(2) مرقاة المفاتيح 9/ 428.
(3) التراتيب الإدارية 1/ 365 - 366.