الصفحة 4 من 36

والقول الثَّاني: أنَّه على التَّراخي, وهو قول الشَّافعيَّة؛ لأنَّ الحجَّ فُرض في السَّنة السَّادسة, ولم يحج الصَّحابة إلا في التَّاسعة, وأمَّا النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يحجَّ إلا في العاشرة, قالوا: وقياسًا على الصَّلاة في التَّوسيع في وقتها.

والقول الأوَّل أظهر، لمن عقل وفهم أحكام الحجِّ, وحصَّل رفقة صالحة.

وأمَّا فضلهما فقد جاء من حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ» [1] , وعنه أنَّه - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» [2] , وعن ابن مسعود قال: قال - صلى الله عليه وسلم: «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ ثَوَابٌ دُونَ الْجَنَّةِ» [3] , وقد عرفتُ من وسَّع الله عليه في رزقه, وهو مُكثر متابعٌ بين الحجِّ والعمرة, فالله هو الرَّازق وقد جعل لرزقه أسبابًا.

والبرُّ في الحجِّ: أن يكون صاحبه مُخلِصًا لربِّه ابتداءً, مُتابعًا للنبي - صلى الله عليه وسلم - في أدائه, ومن ماله الحلال, وأن يبتعد فيه عن الإثم والمعصية قدر إمكانه, مُتحلِّيًا بكريم الأخلاق, وجميل السَّجايا, وإنَّ ذلك ليسير لمن يسَّره الله عليه [4] .

وممَّا يجدر تنبيه الحاجِّ عليه قبل مسيره: أن يتخلَّص من المظالم التي قارفها,

(1) أخرجه البخاري (ح/1773) , ومسلم (ح/1349) .

(2) أخرجه البخاري (ح/1521) , ومسلم (ح/1350) .

(3) أخرجه الترمذي (ح/810) , والنسائي (ح/2631) , وأحمد (ح/3669) , وإسناده حسن.

(4) قال ابن عبدالبر في التمهيد (22/ 39) : (وأمَّا الحجُّ المبرور, فقيل هو: الذي لا رياء فيه ولا سمعة, ولا رفث فيه ولا فسوق, ويكون بمال حلال, والله أعلم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت