الصفحة 27 من 80

فُتِحت عليَّ قريةٌ إلا قسمتُها كما قَسَم النبي، صلى الله عليه وسلم، خيبر، ولكني أتركها خزانةً لهم يقتسمونها» [1] .

وفيمن قال مُعَرِّضا بقذف آخر: «والله ما أبي بزانٍ، ولا أُمّي بزانية» ، انقسم الناس زمنَ عمر، رضي الله عنه، فقال أهلُ الألفاظ: «مَدَح أباه وأمَّه» . وقال أهل المعاني: «قد كان لأبيه وأمِّه مدحٌ غيرُ هذا، نرى أن تجلِدَه الحدَّ» فاستجاب عمر لرأيهم وجلده الحدَّ ثمانين [2] .

وبعد وفاة كبار الصحابة، رضوان الله عليهم، برزت معالمُ الانقسام اللفظي والمعنوي على نحو أوضح بين من تأخَّر به العُمُر بعدَهم. ويبدو المسلكُ المعنوي غالبا عند ابن عبَّاس وعائشة، رضي الله عنهم، والمسلك اللفظي غالبًا عند ابن عمر وأبي هريرة، رضي الله عنهم. ولعلَّها من المفارقة أنَّ عائشةَ الميَّالةَ إلى المعنى هي ابنةُ أبي بكرٍ الميَّالِ إلى اللفظ، وأنَّ عبدَ الله الميَّالَ إلى اللفظ هو ابنُ عمرَ الميَّالِ إلى المعنى.

ومن الأمثلة الجليَّة على تمايز هؤلاء الصَّحابة اختلافُ ابن عمر وابن عباس، رضي الله عنهم، في استِلام الحجر الأسود عند الزِّحام. فقد سأل سائلٌ ابنَ عمر، رضي الله عنهما، عن استلام الحجر: فأجاب: «رأيت رسول الله، صلى الله

(1) أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، (5/ 138) ، رقم: (4235) . وقد ذكر كثيرون احتجاج عمر، رضي الله عنه، على من عارضه فيما فعل في أرض السواد، بآيات الفيء: {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ .... } إلى قوله تعالى {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ ... } (الحشر: 6-10) . ولم أجد ذِكْرَ احتجاجه عليهم بهذه الآيات مُسْندا إلا عند أبي يوسف (الخراج: ص 37) قال: حدثني محمد بن إسحاق عن الزهري، فذكر مناظرة طويلة بين عمر وبلال وأصحابه، رضوان الله عليهم، وفيها احتجاجُه عليهم بالآية. وهذا سندٌ ضعيف للانقطاع بين الزهري وعمر ولتدليس محمد بن إسحاق. ثم إن الآيات نصٌّ جليٌ فيما أفاءه الله على رسوله دون إيجاف خيل ولا ركاب، فكيف تدخل فيها الأرض التي يُوجَف عليها بالخيل والركاب؟! ثم إنه ثبت في الصحيح (البخاري 4/ 38) أن عمر، رضي الله عنه، قال: «كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله، صلى الله عليه وسلم، مما لم يُوجِف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، خاصَّة ... » . وهذا ظاهر في أنه يرى الفيء شيئا لم يُوجَف عليه بخيل ولا ركاب، ولذلك كان لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، خاصَّة. وثبت عنه أيضا بسند صحيح (جامع معمر 11/ 101) أنه ذكر آية الصدقات وقال: هذه لهؤلاء، ثم ذكر آية الغنائم وقال: هذه لهؤلاء، ثم ذكر آية الفيء، وقال: هذه استوعبت المسلمين. وهذا دالٌّ أيضا على أنه يرى الفيء شيئا غير الغنيمة حقيقة ومصرفا. والله أعلم.

(2) أخرجه مالك (الموطأ 2/ 829) . وسنده صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت