مع غلوٍّ في هذه الجهة أو تلك. والمتوسِّطون في الحقيقة هم كذلك، في نظري، منهم من يميل إلى المعاني، ومنهم من يميل إلى الألفاظ، ولكن من دون إفراط أو تفريط.
ويشير محمد عمارة إلى نزعتين من الغلو في التعامل مع النص الديني قديما وحديثا:
إحداهما: «نزعة"النُّصوصية الحرفية". والتي مثَّلها الحشوية القدماء [1] ، والتي يمثلها اليوم"السَّلفيون النُّصُوصِيُّون الحرفيُّون"الذين وقفوا عند ظواهر النصوص، رافضين التأويل بإطلاق، بل ومنكرين المجاز في النص الديني، ومتَّخِذين موقفا غير وُدِّيٍّ من الرأي والنظر العقلي في النصوص الدينية» [2] .
والأخرى: «النَّزعة"الباطنية الغَنوصِيَّة [3] "التي دعت إلى لونٍ من الغُلوِّ في التأويل، وإلى تعميم هذا التأويل المغالي، وغير المضبوط بضوابط العربية وثوابت الإسلام» [4] ، ويمثِّلها في الزَّمن المعاصر العَلْمانيون الدَّاعون: «إلى"تاريخية"معاني وأحكام القرآن الكريم باعتبارها معاني وأحكاما تجاوزها الواقع الذي تطوَّر، وعفا عليها التاريخ» [5] .
وهذا التقسيم فيه نوعٌ من الخلط بين المجال الفقهي والمجال العقائدي في فقه النص. والصَّواب الفصل بينهما؛ إذ ثَمَّة من هو ظاهريٌّ في العقيدة لا يقبل تحكيم الأدلة العقلية التي يزعمها عُلماء الكلام، ويقتصر على ظاهر ما يُفهم منها بحسب اللغة دون تأويل، ومع ذلك، هو في مجال النظر الفقهي يقول بالرأي ويُؤوِّل النصوص الفقهية بالأدلة المعنوية من قياس وتعليل واستصلاح ونحو ذلك. ومن أبرز أمثلة هذا الاتجاه ابن تيمية وابن القيم، رحمهما الله، وأكثر الحنابلة. وهناك أيضا من هو بالعكس، يتوسَّع في التأويل وتحكيم العقل في مجال العقائد، ويرفض
(1) نِسْبَة إِلى الحَشْو أَو الحَشا، طائِفَة تمسَّكوا بالظَّواهر وذهبوا إِلى التجسيم وغيره. المعجم الوسيط (1/ 177) .
(2) النّص الإسلامي بين التاريخية والاجتهاد والجمود لمحمد عمارة: ص 3.
(3) نزعَة فكرية ترمي إِلى مزج الفلسفة بالدّينِ وتشتمل على طائِفَة من الآراء المضنون بها على غير أَهلها، وتُطلق خاصَّة على جماعة من المفكِّرين في القرنين الأول والثَّاني للميلاد. المعجم الوسيط (2/ 664) .
(4) المرجع السابق.
(5) المرجع السابق: ص 4.