بقبول بلاغات الإمام مالك ومراسيله، في الجملة، مع اعتضاد ذلك بالرواية الضّعيفة لمعنى هذا الأثر عنه عند ابن أبي شيبة.
4.هذا البيع كان معروفًا عند فقهاء التابعين، وكانوا يُدخلونه فيما أَطلق عليه سعيد بن المسيّب وغيرُه: المواصفة أو المراوضة.
5.بحسب مجموع الرّوايات التي أوردتها كتب الآثار تحت باب"المواصفة في البيع"يظهر أنّهم كانوا يطلقونه على بيع ما ليس عند الإنسان، سواءٌ باعه قبل أن يملكه، أو واعد على بيعه قبل أن يملكه. وسواءٌ باعه التّاجر بذكر أوصافه، أو أحضره وأراه للمشتري قبل أن يملكه. وعلى هذا فبيع المواصفة عندهم أعمُّ من البيع للآمر بالشراء. وبهذا يظهر عدم دقّة من سوّى من المعاصرين بين المعاملتين.
6.ثبت بالإسناد كراهة بيع المواصفة عن ابن المسيّب والنّخَعي وطاووس وعطاء وقتادة والزّهري. ولم تثبت الروايات بمنعه عن الحسن البصري، ولا عن مسروق بن الأجدع. ولا ثبت الترخيص فيه عن الشّعبي، وإنّما ثبت الترخيص بصورةٍ منه عن القاسم بن محمّد، وحميد الطويل، وهي الصّورة التي يكون فيها شراء التاجر السّلعة التي ليست عنده نتيجةً لطلب المشتري إيّاها، ثمّ إعلام التاجر المشتري بحصول السّلعة عنده، دون أن يكون هناك مواعدة على الصّفقة بين الطّرفين.
7.لم يُوجد في الرّوايات، لا بسند ضعيف ولا صحيح، من رخّص في البيع للآمر بالشراء إذا كانت هناك مواعدة أو تواطؤ ومراوضة على الشّراء والربح بين الزبون والبائع الذي لا يملك السّلعة في الحال.
8.الظاهر في أكثر الروايات أنّ المانعين من هذه المعاملة لم يرخِّصوا فيها حتى لو كانت البيعة الثانية - وهي التي من البائع (المصرف) إلى المشتري (العميل) - حاضرةً لا آجلة. وهذا التعميم مُسلَّم في النوع الأول من بيع المواصفة؛ إذ لا يجوز للمرء، بالاتّفاق، بيعُ ما لم يملكه بعدُ، سواءٌ باعه نسيئة أم نقدًا. وأمّا في النوع الثاني فلا تظهر مفسدة مباشرة من المنع منه إذا كان البيع الثاني نقدًا لا نسيئة؛ ولذلك رخّص فيه الإمام مالك. وقد ورد تقييد المنع بكون البيع الثاني نسيئة في رواية ابن المسيّب عند عبد الرزاق، وكذلك فيما رُوي عن ابن عمر، رضي الله عنهما. وقد يُقال: إنّ المانعين أطلقوا الكراهة على ما يشمل بيعة النّقد وبيعة النّسيئة على حدٍّ سواء؛ سدًّا للذّريعة؛ لأنّ الذي يتعامل بالنّقد في مثل هذه المعاملة يوشك أن ينجرّ إلى التعامل بالنّسيئة.
9.نَسَب ابن المنذر القول بكراهة هذا البيع إلى مالك وأحمد وإسحاق من أئمّة فقهاء الأمصار، ونَسَب القول بالجواز إلى الشافعي إذا لم يكن البيع عن شرط. وأخذ هو برأي مالك.
10.نصَّ الإمام مالك على كراهة هذا البيع (تحريمًا) إذا كان هناك تواعد وتراوض على الرّبح، والعلّة الأساس في منعه عنده أنّه ذريعةٌ إلى الرّبا.