الصفحة 45 من 50

11.الأرجح أنّه لم يصحّ سندًا ما نُسب إلى الإمام محمّد بن الحسن صاحب أبي حنيفة من إجازته هذا البيع. ثم إنّ القول المنسوب إليه ليس بصريح في أنّه يجيز هذه المعاملة بصورتها المعاصرة.

12.كلام الإمام الشافعي المشهور في تجويز هذا البيع إنّما هو بحسب الظاهر لا الباطن، على طريقته في التفريق في العقود بين حكم الظاهر والباطن، وعدم التفاته إلى تأثير التواطؤ بالشّرط الفاسد على صحّة العقد مع كراهته لذلك.

13.كراهة الشافعي القصد الفاسد في العقود، كالعينة المتواطَأ عليها سلفًا، وبيع العنب ممّن يراه أنّه يعصره خمرًا، ومبادلة المال بغيره بقصد الفرار من الزكاة ... الخ حَمَلها أكثر أتباعه على كراهة التنزيه، والأرجح - في نظر الباحث - حملُها على التحريم.

14.الفرق بين موقفي الشافعي ومالك في المرابحة للآمر بالشراء والعينة هو أنّ مالكًا يكره هذه العقود ويحكم ببطلانها ولزوم فسخها حتى لو لم يظهر القصد الفاسد فيها (كالعينة التي لا تشتمل على مواطأة) سدًّا لذريعة الربا، والشافعي لا يحكم ببطلانها أبدًا إلا إذا اقترن سبب الفساد بصيغة العقد ظاهرًا، ومع ذلك فهو يكره منها - على وجه التحريم على الأرجح - ما اقترن بقصدٍ فاسد أو سبقته مواطأة لو دُمجت في العقد لأفسدته.

15.وردت عن الإمام أحمد عدّة روايات يُؤخذ منها كراهته هذا البيع على غرار مذهب فقهاء السَّلف قبلَه، ورأيُه في هذه المسألة قريب من رأي الإمام مالك فيها.

16.لم يتطرَّق أتباع المذاهب الفقهيّة الحنفيّة والشافعيّة والحنابلة لبيان الحكم في بيع المرابحة للآمر بالشراء، (وعليه لا تصحّ نسبة القول بإجازة هذا البيع إليهم كما فعله بعض المعاصرين) بينما أسهب المالكية في ذلك، وهي عندهم من العينة التي تحرم ويُفسخ العقد فيها إذا بُنيت على مواعدة فيها تصريحٌ وتسمية للرّبح، وتُكره إذا كان طلب الشّراء فيه تعريضٌ بالرّبح فحسب.

وبناءً على ما سبق فإنّ الباحث يوصي بما يأتي:

1.الاهتمام بآراء علماء السَّلف من الصّحابة والتابعين وأئمّة الفقهاء وتحقيقها عند عرض القضايا الفقهية قبل إدلاء الرأي فيها من قِبَل المعاصرين، للقيمة العلمية الكبيرة التي تحملها هذه الآراء بسبب قربها من عصر الرسالة. قال ابن القيّم، رحمه الله: «فَصْلٌ في جواز الفتوى بالآثار السَّلفيَّة والفتاوي الصّحابيّة، وأنّها أولى بالأخذ بها من آراء المتأخّرين وفتاويهم، وأنّ قُربها إلى الصّواب بحسب قرب أهلها من عصر الرسول، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله، وأنّ فتاوي الصّحابة أولى أن يُؤخذ بها من فتاوي التابعين، وفتاوي التابعين أولى من فتاوي تابعي التابعين، وهلمّ جرّا، وكلمّا كان العهد بالرسول أقرب كان الصَّواب أغلب، وهذا حكمٌ بحسب الجنس لا بحسب كلّ فردٍ فردٍ من المسائل، كما أنَّ عصر التابعين، وإن كان أفضل من عصر تابعيهم، فإنّما هو بحسب الجنس، لا بحسب كلّ شخصٍ شخصٍ، ولكِنِ المفضَّلون في العصر المتقدِّم أكثر من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت