لم يفهم منها إلا هذا المعنى، فقد قال لابن عباس بعد أن باح بما ذكرنا من المعنى: (( مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلا مَا تَقُولُ ) ). والله تعالى أعلم.
المعنى الثاني: المعنى اللازم غير المقصود:
المعنى اللازم غير المقصود هو ـ بالبديهة ـ المعنى المقابل للمعنى المقصود. وعليه فهو: (( المعنى الذي يدل عليه الكلام مع كونه غير مقصود للمتكلم لا أصلا ولا تبعا ) ).
ولا يكون هذا المعنى إلا لازما [1] بخلاف (( المعنى المقصود ) )، الذي قد يكون لازما وقد يكون غير
(1) قد يُقال بأن الكنايات، والاستعارات، لا سيما التمثيلية منها، تحتوي على معنى صريح منطوق غير مقصود منها والمقصود منها فقط هو المعنى اللازم. فمن وصف أحدا باتساع النفوذ بقوله: (( فلان طويل اليد ) )لا يقصد أبدا الإخبار عن صفة يد هذا المذكور بل ربما تكون يده من الناحية المادية قصيرة لا طويلة. وإذا قال أحدهم لشخص تسبب في إلحاق الضرر بنفسه: (( جنت على نفسها براقش ) )لا يقصد أبدا الإخبار عمّا فعلت الكلبة براقش بنفسها إذ نبحت فتفطن الأعداء لها ولقومها فقتلوهم. إذن، لم تكن المعاني المنطوقة لمثل هذه الألفاظ مقصودة لا أصلا ولا تبعا، فكيف يُقال مع هذا بأن المعنى غير المقصود لا يكون إلا لازما؟
فهذا الاعتراض صحيح، لكني أرى أن ألفاظ الكناية والاستعارة وإن لم يكن معناها المنطوق الظاهر مقصودا بمرة إلا أنها، من حيثية أخرى، يتوقف عليها فهم المعنى اللازم المقصود. أي أن فهم معنى (( اتساع النفوذ ) )لم يكن ليوجد بدون اللفظ (( يده طويلة ) ). وعليه، فإيراد لفظ الكناية هو وسيلة يصل المتكلم من خلالها إلى ما يريده من المعنى، ومن هنا كان هذا اللفظ، ولا أقول المعنى، مقصودا لغيره، أي بالتبع، فَحَسُن أن نستثني، لهذا السبب، معناه المنطوق من المعاني غير المقصودة بتاتا.