وفي هذا إبطال للمقولة القائلة بأن معارف الدين هي معارف ضرورية (=لا تحتاج إلى تعميق النظر) [1] . والمقولة القائلة بإنكار الرأي والاجتهاد [2] أو تيسُّرهما لكل متلقٍ [3] .
فإن قيل: إذا كان الوصول إلى (( المعنى الكامل للخطاب ) )هو الغاية الأولية الكلية التي رسمها الشارع لمتلقي الخطاب كما تزعم، فهل يعني هذا أن (( المقتصد ) )و (( البياني ) )و (( المختص ) )، وهم الذين يبغون الوصول إلى أجزاءَ محددةٍ من المعاني التي يؤديها النص، يستهدفون غايةً أو غاياتٍ أخرى غيرَ مقصودة للشارع؟ وإذا كان ذلك كذلك، فهل تقول بعدم جواز نظر هؤلاء في النص لحصول المضادة بين قصدهم وقصد الشارع؟ وإذا صح مثل هذا بالنسبة لِ (( المقتصد ) )و (( البياني ) )فكيف يصح بالنسبة لـ (( المختص ) )، مع أن غالب الناظرين في النص الشرعي من العلماء هم من (( المختصين ) ). فمنهم من يبحث عن الحكم الشرعي، ومنهم من يبحث عن المعنى العقدي، ومنهم من يبحث عن المعنى اللغوي ... وهكذا؟؟!
(1) انظر: الألوسي، روح المعاني، ج 3، ص 93.
(2) وهو رأي النَّظَّام. انظر: الزركشي، البحر المحيط، ج 6، ص 198. وأبو ريدة: محمد عبد الهادي، إبراهيم بن سيار النظام وآراؤه الكلامية الفلسفية، دار النديم، القاهرة، ط 2، 1989 م، ص 24.
(3) وهي دعوى الخجندي في رسالته: هل المسلم ملزم باتباع مذهب معين، حيث قال: (( وتحصيل هذه الطريقة [أي الاجتهاد] سهل لا يحتاج أكثر من الموطأ والصحيحين وسنن أبي داود وجامع الترمذي والنسائي، وهذه الكتب معروفة مشهورة يمكن تحصيلها في أقرب مدة فعليك بمعرفة ذلك ) ). انظر: البوطي: محمد سعيد رمضان، اللامذهبية أخطر بدعة تهدِّد الشريعة الإسلامية، مكتبة الفارابي، دمشق، ط 2، ص 16.