تكشف عن ذلك. أما استعمال النص بهذا الإطلاق في المراحل المبكرة من التدوين الأصولي فلا نستطيع الجزم به. لكن ثمة بوادر قد تدل على وجوده:
منها: ما أورده ابن منظور في سِياق كلام ابن الأعرابي [1] عالم اللغة المعروف (ت 231 هـ) من أن النص يرد بمعنى (( التوقيف ) ) [2] . والتوقيف ـ في لغة القدماء ـ هو الكتاب والسنة، كما يدل عليه كلام الإمام مالك (ت 179 هـ) في الموطأ [3] فلعل ابن الأعرابي، إذ ذكر هذا المعنى للنص، لاحظ بعض الاستخدام له من قبل بعض علماء عصره [4] .
ومنها: هذه الحكاية التي يرويها الجصاص عن داود الظاهري (ت 270 هـ) قال: (( حكى داود الأصبهاني أن إسماعيل [ت 282 هـ] [5] سُئل عن (( النص ) )، ما هو؟
(1) هو إمام اللغة أبو عبد الله محمد بن زياد بن الأعرابي الهاشمي مولاهم الأحول النسابة. ولد بالكوفة سنة 150 هـ. قال ثعلب: لزمت ابن الأعرابي تسع عشرة سنة وكان يحضر مجلسه زهاء مائة إنسان وما رأيت بيده كتابا قط. انتهى إليه علم اللغة والحفظ. له مصنفات كثيرة، وكان صاحب سُنة واتباع، مات بسامرا في سنة 231 هـ. انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج 10، ص 687.
(2) انظر: ابن منظور، لسان العرب، ج 7، ص 98.
(3) فقد جاء فيه: (( وسُئل مالك عن النفل هل يكون في أول مغنم؟ قال: ذلك على وجه الاجتهاد من الإمام، وليس عندنا في ذلك أمر معروف موقوف إلا اجتهاد السلطان، ولم يبلغني أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، نفل في مغازيه كلها ) )الموطأ، ج 2، ص 465. وجاء فيه أيضا قول مالك في بعض أنواع البيوع: (( لم تزل هذه البيوع جائزة يتبايعها الناس ويبتاعونها، ولم يأت في ذلك شيء موصوف موقوف عليه إذا هو بلغه كان حراما أو قصر عنه كان حلالا ) ). مالك بن أنس، الموطأ، ج 2، ص 708.
(4) والغريب أن د. نصر أبو زيد قد أورد هذا المعنى ـ التوقيف ـ ضمن المعاني الاصطلاحية للنص، لكنه لم ينتبه إلى ما هو معنى التوقيف، وإلا لما جزم بعدم وجود النص بهذا الإطلاق في لغة الأسلاف؟!
(5) هو الإمام أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن محدث البصرة حماد بن زيد بن درهم الأزدي مولاهم البصري المالكي. مولده سنة 199 هـ. كان عالما متقنا فقيها شرح المذهب المالكي واحتج له وصنف المسند وعلوم القرآن و الموطأ وكتابا في الرد على محمد بن الحسن، وأحكام القرآن لم يُسبق إلى مثله. استوطن بغداد وولي قضاءها 22 سنة إلى أن توفي في شهر ذي الحجة سنة 282 هـ. انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج 3، ص 339 - 341.