ثانيًا: النخوة العربية:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق) [أخرجه أحمد] .
وفي رواية الحاكم -وفي إسنادها مقال-: (بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) .
فكان لدى العرب قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم من الأخلاق الصالحة، والخصال الواضحة، ما أقرها وأشاد بها المختار، منها النجدة والنصرة والتضحية والإيثار، ولقد خلد التاريخ منها الكثير، حتى سمعها الأصم وأبصرها الضرير!
منها: إن امرأ القيس أودع بنيه وماله وأدراعه السموأل ورحل إلى الشام، فسار إليه الحارث بن أبي شمر الغساني، [1] يريد أخذ مال امرئ القيس من السموأل، فلما نزل به تحصن منه، وكان له ابن قد يفع وخرج إلى قنص له، فلما رجع أخذه ثم قال للسموأل: أتعرف هذا؟ قال: نعم، هذا ابني. قال: أفتسلم ما قبلك أم أقتله؟ قال: شأنك به؛ فلست أخفر ذمتي ولا أسلم مال جاري فضرب وسط الغلام فقطعه قطعتين، فقتل ابنه وهو ينظر إليه، وانصرف عنه فقال السموأل في ذلك:
وفيْتُ بأدرُع الكِنديّ إني *** إذا ما خان أقوامٌ وفيْتُ
وأوصَى عاديًا يومًا بألاَّ ... *** ... تُهدّم يا سموأل ما بنيتُ
بنى لي عاديًا حِصنًا حَصيِنًا *** وماءً كلّما شئتُ استقيتُ
فضرب المثل بوفاء السموأل، فقيل:"أَوْفَى مَنَ السَّمَوْأَل". [انظر: الأغاني 6/ 347، والمستقصى في أمثال العرب 1/ 435، ومجمع الأمثال 2/ 374، والعقد الفريد 3/ 11 - 12] .
ومنها: أنه استمر الملك بعد المنذر بن ماء السماء في عقبه، حتى كان النعمان بن المنذر، وهو الذي غضب عليه كسرى بسبب وشاية دبرها زيد بن عدي العبادي، وأرسل
(1) ويقال: الحارث بن ظالم.