فهرس الكتاب
وإن كانت تغيب عن ذهني بعض الذكريات الطيبة معكم، فكيف تغيب، تلك الحادثة مع شيخي الحبيب، حين استُدعي من قبل أذناب عباد الصليب، كعادتهم معه ومع عموم أهل الجهاد، ولكن تلك المرة كانت تتسم بالإرعاد والإزباد!
فطلبتُ من شيخي أن يقول كلامًا، وكان يحركني -آنذاك- حبي للشيخ وخوفي عليه وخشيت فراقه، وحاشا لله ما طلبت منه تراجعًا أو مداهنة للطاغوت ونفاقه، وما كان لمثلي أن يطلب من مثله ذلك! بل كان المطلوب، تلافيًا للخطوب؛ التورية والمعاريض، وقد بوب البخاري في صحيحه في كتاب الأدب:"باب المعاريض مندوحة عن الكذب".
فما كان من شيخي إلا أن غضب عليّ وزمجر كزمجرة الرعود، أو إن شئت فقل: زئر زئير الأسود! فتذكرت حينها أنني أمام المقدسي! واستعذت بالله عما دار في نفسي.
وبعد أن تطرق شيخ المجاهدين وأسد الموحدين أسامة بن لادن رحمه الله لذكر الأردن، وأنها معبر لتحرير فلسطين، استُدعي شيخنا المقدسي من قبل المرتدين، فطلبوا من الشيخ أن يرد على الشيخ أسامة، بإصدار مرئي أو صوتي أو بما خطته أقلامه، فلما رأوا أن ذلك من أضرب المستحيل، وقد انقطع بهم السبيل، فَكَّرَ كبيرهم وقدَّر، فقتل كيف قدَّر، ثم قال لشيخنا: هل الشيخ أسامة معصوم؟ فقال شيخنا: لا، ليس بمعصوم. فقال له: إذن لا بد أنك تخالفه في مسألة من مسائل الاجتهاد؟! فاكتب ردًا عليه في أي مسألة من تلك المسائل، ولك مهلة إلى الأسبوع المقبل، وليس لك إلا أن تقبل! وإلا فإننا سندخلك الحبس وسنقفل باب الزنزانة عليك إلى أن تكتب ردًا -أي رد-! فرجع إليهم شيخنا بعد أسبوع بخفي حنين! وقال لهم:"إنني قد اشتقت لمراجعة محفوظاتي، في خلواتي!". فما كان منهم إلا أن يأسوا، وعلى خيبتهم رسوا .. قال شيخنا يبث مشاعره، في بعض أشعاره:
أقول رويدكم فالسجن أحلى *** إلى نفسي وظلمته سناء