الوجه الأول: معنى: (وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا) .. قال الإمام القرطبي رحمه الله:"قوله تعالى: (ولا تشتروا) معطوفٌ على قوله: (ولا تكونوا) . نهاهم عن أن يكونوا أول من كفر، وألا يأخذوا على آيات الله ثمنًا، أي: على تغيير صفة محمد صلى الله عليه وسلم رُشى، وكان الأحبار يفعلون ذلك، فنُهوا عنه .. وقيل: كانت لهم مآكل يأكلونها على العلم كالراتب، فنُهوا عن ذلك. وقيل: إن الأحبار كانوا يعلمون دينهم بالأجرة، فنُهوا عن ذلك ..".اهـ [الجامع لأحكام القرآن 2/ 11] .
وقوله رحمه الله:"قيل"تضعيف منه لتلك الأقوال، فالراجح في معنى هذه الآية هو القول الأول .. ولو سلمنا أن الآية محرمة لأخذ الأجرة على تعليم القرآن، فجواب ذلك في الوجهين الثاني والثالث.
الوجه الثاني: قال الله في الآية قبلها: (يا بني إسرائيلَ .. ) الآية .. قال الإمام القرطبي رحمه الله:"وأما الجواب عن الآية: فالمراد بها: بنو إسرائيل، وشرع من قبلنا هل هو شرع لنا؟، فيه خلاف، وهو لا يقول به.-يعني: أبا حنيفة رحمه الله-".اهـ [الجامع لأحكام القرآن 2/ 13] .
فنُهي بنو إسرائيل عن أخذ الأجرة على تعليم الدين، وجاء جوازه في شرعنا بالنصوص التي تقدم ذكرها؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: (إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله) .
والصحيح في مسألة حجية شرع من قبلنا هو:"أنه شرع لنا إلا ما نُسخ منه"، قال ابن القشيري رحمه الله:"هو الذي صار إليه الفقهاء".اهـ [إرشاد الفحول ص983] .
الوجه الثالث: قال الإمام القرطبي رحمه الله:"جواب ثان: وهو أن تكون الآية فيمن تعين عليه التعليم، فأبى حتى يأخذ عليه أجرًا، فأما إذا لم يتعين: فيجوز له أخذ الأجرة، بدليل السنَّة في ذلك، وقد يتعين عليه إلا أنه ليس عنده ما ينفقه على نفسه، ولا على عياله، فلا يجب عليه التعليم، وله أن يُقبل على صنعته، وحرفته، ويجب على الإمام أن يعيِّن لإقامة الدين إعانته، وإلا فعلى المسلمين؛ لأن الصدِّيق رضي الله عنه لمَّا ولي الخلافة وعُيِّن لها: لم يكن عنده ما يقيم به أهله، فأخذ ثيابًا وخرج إلى السوق فقيل له في ذلك، فقال: ومن أين أنفق على عيالي؟ فردوه، وفرضوا له كفايته".اهـ [الجامع لأحكام القرآن 2/ 13] .
ومن السنة: حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال:"علَّمت ناسًا من أهل الصُّفة الكتاب والقرآن، فأهدى إليّ رجل منهم قوسًا، فقلت: ليست بمال، وأرمي عنها في سبيل الله -عز وجل- لآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأسألنّه، فأتيته فقلت: يا"