العقل النظري يمكن أن تقوم به المفكرة (المتخيلة) , وهي عندهم جزء من جسم الإنسان تقع في الدماغ.
وحتى ما أسموه بالمجرّدات, وهي الجواهر البسيطة التي تخلو تماما من أي شيء حسي, لا يمكن إدراكها إلا بالبدء من المحسوسات, حيث تكون آثار تلك المجردات أو آثار آثارها ... الخ, ثم إعمال الفكر, ثم ملاحظة نتائجه؛ فتصور لو لم يكن للإنسان حواس بالمرة, فإنه لن يُعرف أي شيء مما قالوه عن المجردات, وكذلك لو تصورنا عدم وجود محسوسات من أي نوع؛ فلن يعرف كذلك أي شيء عن تلك المجردات؛ لما ذكرنا من أنها لا تدرك ولا تعلم إلا بآثارها في المحسوسات والجزئيات؛ وهذا يُري الناظر أن اختراع الفلاسفة المسلمين _متبعين فلاسفة الإغريق_ لما أسموه بالعقل النظري ذي الخصائص التي ذكروها له, وأشرنا إليها سابقا, اختراع لا حاجة له فضلا عن ضرورته بل هو فكر مصنوع من خليط مادته مكونة من الخيال وتصورات إغريقية عن الآلهة وعلاقتها بالإنسان, ومحاولات قاصرة للتوفيق بين الشرك اليوناني والتوحيد الإسلامي؛ فحرفوا كلًا منهما عن بعض مواضعه.
وعلى أية حال فإنهم عندما قصروا عمل العقل النظري على الكليات والمجردات وأقصوه عن إدراك المحسوسات والجزئيات, فكأنهم جعلوا تدبير البدن كله وأمور النفس الأخرى لما أسموه بالعقل العملي, ولا مناص لهم من القول بأنه يدرك المحسوسات والجزئيات؛ وقد اقتربوا من ذلك عندما جعلوه المختص بأخذ المدركات من المفكرة (الوجه الأعلى للمتخيلة) ؛ ومآل هذا التصور أن التفكير والإدراكات الحسية والجزئية, بل والإرادة والاختيار, كل ذلك لأجهزة الدماغ؛ وقد تقدم كلام ابن سينا في المفكرة وأحقيتها بأن تسمى عقلا مع أنها واقعة في الدماغ وهي من أجزائه. ولا يعارض هذا ما أثر عن بعضهم أن لكل جهاز دماغي مختص بشيء من الإدراك روحا خاصا به, وأن هذا الروح جسم لطيف بخاري يتكون من ألطف أجزاء الأغذية؛ لأن الروح عندهم, كما هو واضح من تعريف الرازي لها, ليست هي النفس, ولا الروح الذي ذكر في القرآن والسنة, وإنما هي جزء جسمي, والنفس الناطقة عندهم جوهر بسيط كما تقدم وليست جسما ولا جزءا من جسم ولا حالّة في جسم حتى وإن تعلقت به. ومغزى هذا النظر أن (قول الفلاسفة في العقل يقترب من قول الماديين(الطبيعيين) الذين اقتصروا