الفلك في عصرهم, وجعلوا آخر الفيوضات من العقول جزء النفس الذي يسمى عقلا, ووصفوه بتلك الأوصاف التي تتناسب مع كونه ذا صلة وثيقة بآخر الأحفاد للمبدأ الأول بحسب زعمهم, فوقعوا في مشكلة تدبيره لجسم الإنسان, والنزول إلى الأسفل, فتفتقت أذهانهم عن العقل العملي, وجعلوه حلقة وصل بين العقل النظري وبين أقوى أجهزة الإدراك الحسي الجسمية, وهي ما أسموه بالمفكرة التي في الدماغ, وجعلوا لها وجهتين: واحدة إلى الأعلى جهة العقل العملي, وتسمى عندئذ بذلك الاسم (أعني المفكرة) , وأخرى جهة الأسفل, وهي جهة الحس, وتسمى عندئذ بالمتخيلة. ولما أرادوا تقييم عملها, وخاصة في جهتها العليا (المفكرة) جعلوها في مقام شريف, حتى أن ابن سينا جعلها أشرف القوى العملية وأولى قوى النفس بأن تسمى عقلا؛ حيث تقدر على التمييز والحكم ثم الاختيار؛ فتعين العقل العملي على توجيه السلوك الإنساني.
ويدل هذا الكلام الأخير المنقول عن ابن سينا أن التمييز والحكم والاختيار هو من اختصاص قوى الإدراك الحسي التي يحتويها دماغ الإنسان, والتي جعلوها خمس قوى, ووزعوها على تجاويف الدماغ, ورتبوها بصورة تصاعدية وفق قوتها في تجريد المدركات من اللواحق الحسية, وبعبارة أخرى, قدرتها على استبعاد الوصف الأخص للموضوع, وتوسيع المعنى لإدخال مفردات أخرى, وهكذا حتى تصل النفس إلى المعنى الأعم الذي يدخل فيه جميع الأفراد التي كانت خارجة بسبب معنى أو معان خاصة فيها, وهو نوع من التفكير يستحضر فيه شيئان أو أشياء تشترك في إحدى الصفات, فيستبعد الوصف الذي لا يشتركان فيه؛ فينتج من ذلك علم أعم, فينتج من ذلك علم جديد بشيء أعم. ثم يستحضر هذا الشيء الأعم, ويستحضر ما تبقى من خصائصه, ثم يستبعد إحداها, فينشأ في الذهن نتيجة التفكير شيء أعم من الأول ومن الثاني, ويستمر الفكر في التنقل حتى يصل إلى شيء مجرد من الخصائص والصفات يعم على أشياء لم يكن الفكر ليحصل عليها لولا الاستبعاد المذكور.
فهذا هو تجريدهم الذي أشادوا عليه ما أسموه بالعقل النظري, وهو في حقيقته ثمرة التفكير, وهو بحسب تصورهم ليس من وظيفة ذلك العقل, وإنما من وظيفة المفكرة التي تعتبر جزءا من الدماغ؛ فإنها _عندهم_ تقدر على القيام بالتفكير. والتجريد في حقيقته شيء واحد؛ والذي يقدر عليه في مرحلة يقدر عليه في غيرها, فما نسبوه إلى