فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 48

الذي يستقبل من أجهزة الإدراك الحسي مدركات يتنزه عنها جزؤه الآخر, وهو العقل النظري؛ وهذا يؤدي إلى القول بأن العقل ذو طبيعتين مختلفتين, وهو ما يناقض تصورهم العقلَ جوهرا بسيطا. ثم يرد تساؤل لا يستطيعون منه فرارا, وهو: من منهما يقوم بتجريد المعاني وصناعة الكليات؟ فإن كان العقل النظري رجعنا إلى أصل القضية, وهو أن من يقوم بعملية التجريد يجب أن يكون قادرا على إدراك المحسوسات والجزئيات, وهم ينفون ذلك عنه. وإن كان العقل العملي هو الذي يقوم بذلك فلا حاجة للعقل النظري, لأن العملي يقوم بعمله؛ وهذا هو المنطق الذي استحسنه وأقام عليه الأدلة القوية بعض الفلاسفة المسلمين مثل ابن ملكا البغدادي والرازي وغيرهما؛ حيث ذهبوا إلى أن العقل الذي يدرك الذوات المجردة والمعاني الكلية هو عينه العقل الذي يدرك المحسوسات والجزئيات, وأنه ليس للإنسان عقلان, ولا عقل ذو وجهين بطبيعتين مختلفتين, وأصل الخطأ الذي وقع فيه جمهور الفلاسفة, إنما ورد عليهم من المصدر, وهو فلسفة الإغريق التي تزعم أن أصل الخلق يرجع إلى المبدأ الأعلى, وهو عقل مطلق لا حدود له, وقد فاض منه سلسة من العقول بأسلوب أشبه بالتولد الذاتي, لأن المبدأ صدر عنه العقل الأول, وهذا صدر عنه الثاني, وهذا صدر عنه الثالث, ... الخ, حتى أوصلوها إلى عشرة عقول آخرها تحت فلك القمر, وهو الذي فاض عنه كل شيء تحته؛ ومن ذلك الإنسان بما فيه من عقل ونفس وبدن, وصار اسم العقل نفسا ناطقة باتصاله بالبدن. فانظر إلى هذه الرؤية التي هي أقرب لخيالات الأطفال الذين لم يبلغوا سن التمييز, أو إلى الأحلام التي يراها في النوم ذوو الأمزجة السقيمة. وهي أشبه برؤية من قال بالولد لله عزّ وجلّ, وإن كان أصحاب هذه الشطحات قد جعلوا لله سبحانه ولدا وأحفادا من غير صاحبة, وإنما عن طريق الفيض أو الصدور. ثم اعتبروا العقل الذي في الإنسان خاتمة ذلك الفيض؛ وقد يدخل أمثال هؤلاء فيمن عناهم الله عز وجل بقوله (الذين كفروا من قبل) وذلك في قوله تعالى: (وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون) , التوبة, 30.

وقد يوضح ما سبق أن كلمة العقل عند اليونان كان معناها (الإله) , حتى سمى أرسطو كتابه بالإلهيات, مع أن أكثر ما فيه من البيان كان حول العقل والنفس الناطقة. وهكذا تعددت عندهم العقول (أو قل الآلهة) بحسب الأفلاك السماوية التي كان يعرفها علماء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت