على أنه يوجد من الفلافسة المسلمين من خالف هذا الاتجاه, ورأى أن العقل (النفس الناطقة) يدرك جميع المدركات، سواء أكانت جواهر مجردة أم معاني كلية أو محسوسات أو جزئيات, ومن هؤلاء ابن ملكا البغداريّ, وفخر الدين الرازي. فيكون تعرف العقل عند هؤلاء معبرا عن هذا الشمول الإدراكي بأنه (جوهر بيسط غير جسماني يدرك المعقولات والمحسوسات والكليات والجزئيات) .
وهذا العقل الذي وصفه جمهور فلاسفة المسلمين بتلك الحدود والخصائص هو العقل في أعلى مراتبه, ويقع في قمة الإدراك, وهو ما يطلقون عليه العقل النظري, وهو العقل عند فلاسفة الإغريق, والذي قال فيه أرسطو: (العقل قوة إلهية أو أكثر ما فينا ألوهية, له المحل الأول بين قوانا, يتعقل الأمور الجميلة الإلهية, وتعقّله هو السعادة القصوى) . وقالوا إنه يسمى عقلا عندما لا يكون متعلقا بنفس الإنسان, فإن تعلق بها سمي نفسا ناطقة. وقد نزهوه _كما ذكرنا_ عن الانشغال بالإدراك الحسي أو المعاني الجزئية, وعن الحركة والسكون والمكان والدخول والخروج. ولكنه عندما يتعلق بالبدن تعلق العاشق بالمعشوق يكون هو المدبر لأمره. ولكنهم لما رأوا أن هذا المقام السلطاني يتعارض مع ما جعلوه له من صفات السمو عن المحسوسات والجزئيات, وأن التدبير يقتضي النزول إليها وإدراكها قالوا بما أسموه بالعقل العملي أو النفس الناطقة العملية, وأنها (موجهة في عملها نحو البدن, بمعنى أنها مبدأ محرك لبدن الإنسان إلى الأفاعيل الجزئية الخاصة بالروية فيما ينبغي أن يفعل وما يحسن وما يقبح, وذلك بهدف تكميل العقل النظري) .
وهكذا فإن العقل عند جمهور الفلاسفة المسلمين المهتدين بفلاسفة الإغريق له شقان أو وجهان: أحدهما نظري, والآخر عملي. والثاني خادم للأول يقدم له خدمات تمكنه من دوره في إدراك المعاني الكلية والمجردات التامة في تجردها.
ورؤية الفلاسفة للعقل وتقسيمه إلى نظري وعملي, وتحديدهم لدور كل منهما على النحو السابق أوقعهم في أشد التناقض من غير أن ينالوا شيئا؛ إذ كيف يتأتى للعقل النظري أن يدبر أمر البدن وهو لا يدرك ما يقتضيه مقام التدبير من التفصيل والجزئيات؟ بل أنى له أن يقوم بعملية التجريد على الأشياء المشخصة من غير أن يفهمها ويدرك ما فيها من خصائص وصفات شخصية؟!.
وأما اختراعهم ما أسموه بالعقل العملي, واعتبارهم إياه وجها آخر للعقل النظري, فإنه لا يرفع هذا التناقض؛ لأنه يؤدي إلى القول: إن العقل يشتمل على جزئين أحدهما العقل