فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 48

وهذا المقصد العظيم يتضمن منظومة من الحقائق والمعاني ومنظومة أخرى من الأعمال والسلوك؛ ولا يتحقق أي منهما إلا أن يكون المكلف بهما, وهو الإنسان، مهيأً في خِلقته لإدراكهما ثم تنفيذهما.

من أجل ذلك خلق الله تبارك وتعالى الإنسان في أحسن تقويم, ونفخت فيه الروح بأمره سبحانه لتكون موضوعا ومحلا لكثير من الغرائز والقابليات والقدرات التي تمكنه من حمل الأمانة. وفي مقدمة هذه الغرائز غريزة العقل وغريزة التفكير وغريزة الإرادة.

ثم خلق الله تعالى للإنسان لخدمة تلك الروح وتنفيذ إرادتها بدنا صالحا للقيام بما تأمره به تلك الروح.

ولو وقف الأمر عند هذا الحد لما استطاع القيام بتلك الأمانة حتى يأتيه الهدى من ربه في كتب منزلة على رسل من بني جنسه تبين له الحقائق والمصير, وما يتقي وما يلتزم به, وكيفيات الطاعة المطلوبة قال تعالى: (وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون) التوبة/115, وقال: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم) ابراهيم/4. وذلك في نصوص محمّلة بالمعاني, وجعلها سبحانه آيات منيرة قابلة لأن يستقبلها التقويم الإنساني, بحيث إذا استقبلها ونفذها سَعد في الدارين.

فظهر مما تقدم أن أحسن أوضاع الإنسان في الدارين مرهون تحققه بتحقق ثلاثة أمور معا: الأول: هدى من الله عزّ وجل. والثاني: إدراك هدى الله تعالى وفهمه. والثالث: تنفيذ الإنسان ذلك الهدى.

فأما الأمر الأول, وهو الهدى, فقد ضمنه الخالق سبحانه كتابه الكريم وبيان رسوله صلى الله عليه وسلم. وجعل نصوص القرآن والسنة مخازنه وأوعيته, وقد يطلق عليه اسم العلم والصراط المستقيم والذكر.

والمراد هنا الهدى العام الذي أنزله الله تعالى للناس, وبينه الرسول صلى الله عليه وسلم, وهو المشار إليه في عدة آيات كريمة من كتاب الله عزّ وجل؛ مثل قوله تعالى: (وهديناه النجدين) البلد/10, وقوله سبحانه: (وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى) فصلت/17. ويسمى هدى التعليم والبيان. ويقابله المعنى الخاص للهدى, وهو إلهام الله عز وجل للعبد باتباع طرق الهدى بالمعنى الأول؛ ويشير إليه كثير من الآيات مثل قوله تعالى: (واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم) الأنعام/87, وقوله تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) العنكبوت/69, وقوله: (ومن يهد الله فما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت