له من مضل) الزمر/37, وقوله: (من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون) الأعراف/178. والآيات في نوعي الهدى كثيرة يمكن تبينها بأدنى تأمل.
وأما الأمر الثاني, وهو إدراك هدى الله عزّ وجلّ وإسكانه في نفس الإنسان بعد نقل صوره من مخازنه في النصوص وما في حكمها, وفي آيات الكون المشهودة, إلى ذات الإنسان وحفظها واستثباتها؛ لتصبح علما ومعرفة ويقينا, وهذا الأمر تحقق بإنعام الله عزّ وجلّ على الإنسان بالروح التي يُعتبر ذلك الإدراك من أهم وظائفها, ويعتبر العقل والتفكير وحفظ العلوم وتذكرها من غرائزها, وهي تعتبر كالآلات للنفس في تحصيل هدى الله عزّ وجلّ من النصوص. ويلاحظ أن غريزة العقل لها علاقات مع كافة غرائز الروح من جهات مختلفة, سيأتي بيانها إن شاء الله تعالى.
وأما الأمر الثالث, وهو التزام الهدى الربّانيّ وتنفيذه في الواقع, فمن أجله خلق الله عز وجل في روح عبده غريزة الإرادة, وما يتفرع عنها من همة وعزيمة وقصد أو نيّة. وهذه الغريزة لها علاقة تبادلية مع العقل؛ إذ أن الروح من جهة تفرض إرادتها على كيان الإنسان كله؛ فتفرضها على غرائزها من تفكير وتذكر وحفظ علوم وتخيل وتصور, بل على غريزة العقل نفسها, من حيث إعمال هذه الغرائز وإهمالها وتقويتها وإضعافها, وأخذ معطياتها بعين الاعتبار وعدم ذلك. والروح بغريزة الإرادة تتحكم ببدنها في جانب عظيم من أنشطته, وهي ما يسمى بالأفعال الاختيارية, فتخضع لها جميع غرائز البدن التي تستعملها النفس الإنسانية في هذه الأفعال.
ومن جهة أخرى؛ حيث تعتمد الروح في إرادتها على مخزونها ووارداتها من المعاني والأفكار والمتع والآلام والمشاعر والعواطف؛ فإن معظم قراراتها يقف وراءها أمران: الأول: من اختصاص غريزة العقل, وهو أهمّيّة العمل أو الترك, والثاني: من اختصاص غريزة أخرى هي غريزة المتعة بوجهيها الموجب وهو اللذة, والسالب وهو الألم, وما يتبعها من المحبة والبغض, فما كان أكثر أهمية وإمتاعا عند النفس أعمَلَت فيه غريزة الإرادة إيجابا, وإلا فسلبا.
وهكذا فإن النفس تعتمد على غريزة العقل فيها لتقدير أهمية الأمور وفق وارداتها من العلوم ومخزونها منها؛ ومعظمها يحصل عليها الإنسان بالتعلم, بل إن هذه الغريزة يمكن أن تكون كالمستشار للنفس في تقويم المتع والآلام أيضا.